نبض فلسطين

قبول فلسطين في الإنتربول يثير رداً غاضباً من إسرائيل

p
بقلم
بإختصار
على ضوء عدم تحقيق الولايات المتحدة وإسرائيل أيّ تقدّم في دفع محادثات السلام نحو الأمام، يأخذ الفلسطينيون الأمور على عاتقهم وقد انضموا مؤخراً إلى الإنتربول.

لعل الطريقة الأفضل لتقييم نجاح فلسطين في الانضمام إلى الإنتربول، الشبكة الأبرز للشرطة في العالم، هي رصد ردّ فعل الحكومة الإسرائيلية. بعد الصمت الأولي تحت وقع الصدمة، حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن الخطوة الفلسطينية "لن تمر مرور الكرام".

حقّقت فلسطين غالبية الثلثين التي ينص عليها القانون من أجل الانضمام إلى الإنتربول، من خلال تصويت سرّي بنسبة 75 في مقابل 24 صوتاً، مع امتناع 34 عضواً عن التصويت. خلال اجتماع المنظمة الأمنية المؤلّفة من 192 بلداً في بيجينغ في 27 أيلول/سبتمبر، أصبحت فلسطين عضواً كاملاً في الإنتربول الدولي. في حين أنه ليست للإنتربول سلطات سيادية محدّدة على أي بلد، يشتهر بمنظومة "الإنذار الأحمر" لتشارُك المعلومات التي تستطيع الدول الأعضاء بموجبها إنذار الأعضاء الآخرين بشأن مجرم مطلوب من العدالة. تخشى إسرائيل أن تُستخدَم هذه المنظومة لمطاردة المسؤولين الإسرائيليين أثناء سفرهم إلى الخارج.

قالت يوجين كونتوروفيتش، رئيسة قسم القانون الدولي في "منتدى كوهلت للسياسات"، وهو مركز أبحاث إسرائيلي في القدس، إن قرار قبول فلسطين في الإنتربول سوف يتسبّب بإضعاف آفاق السلام في المستقبل لأنه سيعزّز بطريقة من الطرق تطلّعهم إلى إقامة دولة. أضافت لموقع "جويش نيوز سرفيس" في 28 أيلول/سبتمبر: "لن تؤدّي العضوية الفلسطينية سوى إلى ترسيخ هدفهم بالسعي إلى امتلاك مقوّمات الدولة من دون مفاوضات وتنازلات".

حتى إن الوزير الإسرائيلي لشؤون حماية البيئة زئيف إلكين (ليكود) رفع من حدّة الخطاب عبر استخدامه مصطلحات عسكرية عند ذكر فلسطين. فقد نقلت عنه صحيفة "جيروزاليم بوست" قوله في 28 أيلول/سبتمبر: "لا يمكن أن تقف إسرائيل مكتوفة اليدَين في وجه الحرب الديبلوماسية التي تشنّها فلسطين. يجب أن نعقد جلسة لمجلس الوزراء ونوقف كل بادرات حسن النية تجاه السلطة الفلسطينية".

واستخدم نتنياهو اجتماعاً عقده في 27 أيلول/سبتمبر مع المبعوث الأميركي جايسون غرينبلات لشنّ هجوم على فلسطين لمحاولتها الانضمام إلى الإنتربول، مدّعياً أن ممارسات القيادة الفلسطينية تشكّل "انتهاكاً" للاتفاقات السابقة مع إسرائيل. وقد ذكر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن نتنياهو طلب من السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، رون درمر، التحقيق في ما إذا كانت الخطوات الفلسطينية لدى المحكمة الجنائية الدولية تشكّل خرقاً للقانون الأميركي، الأمر الذي يمكن أن يؤدّي إلى إغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن. يهدف حديث نتنياهو عن المحكمة الجنائية الدولية إلى تحويل التركيز في موضوع قرار الانضمام إلى الإنتربول إلى مسألة جرائم الحرب، التي يمكن أن تتسبّب بالمتاعب لعددٍ من المسؤولين الإسرائيليين. منذ انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، يُبدي المسؤولون الإسرائيليون خشيتهم من أن تعمد إلى اتهام قادة عسكريين وسياسيين بارتكاب جرائم حرب على خلفية ممارساتهم في الأراضي المحتلة.

سارع الرئيس الجديد لبعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن إلى الرد. فقد وصف حسام زملط، في مقابلة عبر "الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون" في فلسطين مساء 28 أيلول/سبتمبر، قرار الإنتربول بأنه "بغاية الأهمية"، قائلاً بأنه يعكس الدعم الدولي لفلسطين. أضاف: "يُظهر الإجماع العالمي الذي انعكس في هذا القرار، الدعم للحق الفلسطيني في الاستقلال، وهو الردّ الأمثل على زعم نتنياهو بأنه كسبَ العالم إلى صفّه. إنه يوم مهم للسلام".

تباهى نتنياهو، في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، بنفوذ إسرائيل المتنامي حول العالم. عندما عطّلت إسرائيل المحاولة الفلسطينية الأخيرة للانضمام إلى الإنتربول – في الاجتماع العام الذي عُقِد العام الماضي في أندونيسيا – قال نتنياهو إن الجهود الديبلوماسية التي بذلتها بلاده "حققّت نصراً كبيراً". وقد تبيّن زيف الادعاءات الإسرائيلية التبجّحية عندما أُعلِن في 13 أيلول/سبتمبر عن تأجيل قمة أفريقية-إسرائيلية كان من المقرر عقدها في توغو في أيلول/سبتمبر الماضي إلى أجل غير مسمّى، وذلك بعدما كانت القمة قد حظيت بدعاية واسعة.

وقد تطرق زملط إلى التهديدات الإسرائيلية لبعثة منظمة التحرير في واشنطن. وقال في تصريح له قبيل عقده اجتماعاً مع ديك دوربن، "حامل السوط" الديمقراطي أو المسؤول عن انضباط نواب حزبه في الكونغرس، إن التهديدات الإسرائيلية هي مجرد كلام فارغ. فقد صرّح للبرنامج الإخباري الأساسي عبر "الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون": "العلاقات الأميركية-الفلسطينية هي علاقات ثنائية، وليس الإسرائيليون جزءاً منها".

وقال وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، الذي أطلّ أيضاً عبر "الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون" في 28 أيلول/سبتمبر، إن قرار الانضمام إلى الإنتربول ليس سوى البداية، مضيفاً: "ليست المعركة في فلسطين، بل في المنتديات الدولية حيث لا يستطيع الإسرائيليون استخدام قوّتهم العسكرية، ويمكننا التصدّي لهم على قدم من المساواة".

قال أنيس سويدان، مدير العلاقات الخارجية في منظمة التحرير الفلسطينية، لموقع "المونيتور" إنه من وجهة النظر الفلسطينية، ليس الهدف من قرار الانضمام إلى الإنتربول حصراً تعقّب المجرمين العاديين، بل إن "هدفنا الأساسي هو التمكّن من رفع جرائم الحرب الإسرائيلية إلى المحكمة الجنائية الدولية وتعقّب مجرمي الحرب الإسرائيليين في مختلف أنحاء العالم عن طريق الإنتربول".

كذلك سلّط نشطاء فلسطينيون الضوء على الطبيعة السياسية للقرار. قال زياد خليل أبو زياد، الناطق الدولي باسم "فتح"، لموقع "المونيتور" إن القرار سوف يساهم في تعزيز الجهود الفلسطينية على الساحة الدولية، مضيفاً: "هذا الإنجاز هو اعتراف إضافي من المجتمع الدولي بأن فلسطين دولة جاهزة مع جميع مؤسساتها لتكون جزءاً من المجتمع الدولي. سنستعمل هذا الإنجاز خدمةً لمصالحنا الوطنية كافة على المستويَين الإقليمي والدولي".

صحيح أن الفلسطينيين وافقوا طوعاً في عهد باراك أوباما على الامتناع عن الانضمام إلى الوكالات الدولية خلال محادثات السلام، غير أن الجمود الحالي في المحادثات يُعفيهم من هذه الالتزامات الطوعية. وفيما تعمد إسرائيل بغطرسة إلى زيادة أنشطتها الاستيطانية، وبما أن إسرائيل والولايات المتحدة لا تبديان استعداداً حتى لاستخدام عبارة حل الدولتَين، تشعر القيادة الفلسطينية بأنها بحاجة إلى اتّباع هذه الخطوات بصورة مستقلة لزيادة الضغوط على إسرائيل من أجل إنهاء الاحتلال والقبول بواقع التطلعات الفلسطينية إلى إقامة دولة. إذا لم تقبل إسرائيل بمنح الفلسطينيين حقوقهم، سوف يزداد النشاط على الساحة الدولية ويتحول إلى تسونامي ديبلوماسي.

داود كُتّاب كاتب مساهم في صفحة "نبض فلسطين" في موقع المونيتور. إنه صحافي فلسطيني وناشط إعلامي، و"بروفيسور فيريس" سابق في الصحافة في جامعة برينستون، وهو حاليًا المدير العام لشبكة الإعلام المجتمعي، وهي منظمة غير ربحية تسعى لدعم الإعلام المستقل في المنطقة العربية. كُتّاب ناشط في الدفاع عن حرية الإعلام في الشرق الأوسط، وهو كاتب أعمدة في صحف "جوردان تايمز" و"جيروزالم بوست" و"ديلي ستار" اللبنانية، وشارك في إنتاج عدد من الأفلام الوثائقية الحائزة على جوائز وبرامج الأطفال التلفزيونية. نال عدة جوائز دولية، بما فيها جائزة حرية الصحافة من لجنة حماية الصحافيين في نيويورك، وجائزة لايبزغ للشجاعة في الحرية، وجائزة السلام عبر الإعلام من مؤسسة نيكست البريطانية.

x