نبض فلسطين

"ألعاب غير معترف بها"... معرض يصوّر طفولة النقب

p
بقلم
بإختصار
"ألعاب غير معترف بها"، معرض صور للمصوّر الفلسطينيّ محمّد بدارنة يصوّر حياة الأطفال وبيئتهم في القرى غير المعترف بها في منطقة النقب في جنوب فلسطين.

قطاع غزّة، مدينة غزّة - استغرق المصوّر الفلسطينيّ محمّد بدارنة عامين كاملين لإنجاز معرض صور يتناول قضيّة قرى النقب في فلسطين، من خلال تركيز العدسة على حياة الأطفال فيها.

وسمّى بدارنة معرضه باسم "ألعاب غير معترف بها"، نسبة إلى قرى النقب غير المعترف بها، ويقدّم فيه صوراً عن أطفال النقب الذين يتعرّضون إلى التهجير من قبل السلطات الإسرائيليّة.

ويوجد في النقب 45 قرية غير معترف بها، يقطنها 75 ألف فلسطينيّ، بيوتهم معرّضة للهدم في أيّ وقت، ويعيشون ظروفاً إنسانيّة صعبة، من دون بنى تحتيّة أو خدمات صحّيّة.

ولا تعترف إسرائيل بملكيّة البدو للأرض التي يسكنونها في النقب، وتعتبرها "أملاك دولة"، ولا توجد مخطّطات تنظيميّة لهذه القرى.

وفي عام 2013، أقرّت الحكومة الإسرائيليّة خطّة لتوطين البدو في النقب عرفت باسم "خطّة برافر"، التي كانت تهدف إلى ترحيل آلاف البدو العرب من قراهم في النقب، وإعادة توطينهم في مجمّعات سكّانيّة أخرى حضريّة.

ويرفض البدو المخطّطات الإسرائيليّة بالتهجير والمصادرة، مؤكّدين أنّ وجودهم في صحراء النقب سابق لقيام إسرائيل.

يقول بدارنة لـ"المونيتور" إنّ معرض صور "ألعاب غير معترف بها" يهدف إلى طرح سؤال واحد: "لماذا تهدم إسرائيل قرى النقب"؟

ويجيب: "إسرائيل تريد تصفية آخر نقاط تواجد الفلسطينيّين قبل احتلال فلسطين في عام 1948".

وُلد بدارنة في قرية عرّابة في الجليل عام 1978 وهو ناشط لحقوق الإنسان. تطوّع في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وأسّس حركة لحقوق الإنسان للشباب الفلسطينيين. حتى عام 2012، كان يكسب رزقه كأستاذ ثانوية ومنسّق مشاريع مؤسسة غير حكومية. بعدها كرّس وقته للتصوير ولإعطاء ورش عمل لمصوّرين مبتدئين. لديه اليوم مجموعة واسعة من الصور تعكس واقع الحياة الفلسطينية، من أطفال يعملون في الشوارع إلى الحياة اليومية لعمّال البناء وقد عُرضت صوره في الأراضي الفلسطينية وخارجها.

ويشير إلى أنّ المعرض يركّز على أطفال النقب تحديداً، من أجل إيصال رسالة بأنّ هناك تحدّياً وحياة على الرغم من المحنة التي يعيشها الأهالي هناك، إلى جانب خلق وعي محلّيّ وعالميّ لكلّ ما يحدث في النقب، الذي يعاني من تهميش شعبيّ وإعلاميّ.

وأوضح أنّ "المعرض وجد في الأساس لتوصيف الحالة السياسيّة والإنسانيّة التي تعيشها قرى النقب".

نظّمت للمعرض جولة عروض في النقب، وفي مدينة حيفا في شمال فلسطين، وفي قطاع غزّة، وفي ألمانيا، وأخيراً في قطر، وسيستمرّ في جولة عروض حول العالم، وفق بدارنة.

وأقيم المعرض في قطر في شهر نيسان/أبريل الماضي، ضمن فعاليّات أسبوع مقاومة الاحتلال والأبرتهايد الإسرائيليّ في الدوحة، بينما أقيم في برلين في شهر حزيران/يونيو 2016 ضمن افتتاح المهرجان السنويّ "أيّام فلسطينيّة"، الذي تنظّمه لجنة التضامن مع الشعب الفلسطينيّ.

وقد أقيم المعرض في قطاع غزّة في شهر آذار/مارس 2015، وكان يهدف، كما قال بدرانة، إلى "التأكيد أنّ آلة الهدم الإسرائيليّة التي تهدم في غزّة، هي نفسها التي تهدم في النقب".

ويظهر المعرض خصوصيّة لأطفال النقب، نتيجة الظروف التي يعيشونها، والتي بموجبها تحوّلت المساحات الجغرافيّة لتكون جزءاً من ألعابهم، مثل اللعب في مساحات رمليّة، وتسلّق الأشجار، أو اللعب في بقايا أشياء متروكة.

ويصف بدارنة حالة الطفولة في النقب بقوله: "استطاع الأطفال هناك أن يخترعوا ألعاباً لهم من لا شيء... استطاعوا أن يخترعوا جنّة لهم وسط الدمار"!

وفي توصيف أدقّ للحالة الإنسانيّة هناك، يقول المصوّر الفلسطينيّ: "شاهدت أطفالاً يلعبون فوق مولّد كهرباء، وهم في الأساس محرومون منها".

يشير بدارنة إلى أنّه كان على مدار العامين يزور النقب في شكل متقطّع، ويقوم أثناء زيارته بالتصوير، والتعرّف على الأشكال الفنّيّة، إضافة إلى التواصل مع الناس وبناء علاقات معهم هناك.

ويؤكّد أنّ نقل المعرض إلى الخارج، ومشاركته في فعاليّات ودور عرض خاصّة، كانا لهما أثر كبير من ناحية دعم القضايا الفلسطينيّة، حيث قال: "هذا ما يعني حشد الفنّ وتسخيره في خدمة القضايا الوطنيّة".

ولفت بدارنة إلى أنّ نقله إلى قطر خصوصاً، كان يهدف إلى التأكيد على الامتداد الجغرافي بين صحراء النقب، وصحراء الخليج.

وذكر أنّ المعرض أوصل رسالة إلى الزائرين بأنّ الفلسطينيّين ليسوا في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة فحسب، إنّما في الداخل المحتلّ، والنقب أيضاً، منوّهاً إلى أنّه تلقّى دعوات لتنظيم المعرض في عواصم أوروبّيّة، منها بروكسل التي سيقام فيها المعرض في شهر تشرين الأوّل/أكتوبر المقبل.

ويطمح بدارنة إلى "تحويل المشهد الفلسطينيّ إلى مشهد بسيط لا يكون فيه الظلم حاضراً في شكل واضح، إنّما الأهمّ أن تكون الإنسانيّة حاضرة"، وفق تعبيره.

وختم قائلاً: "الأهميّة الكبرى، ليست في مجرّد التصوير، إنّما في كيفيّة عرض القضيّة في مشاهد لم تكن حاضرة في الإعلام من قبل، وبنائها في شكل فنّيّ قصصيّ، وأن يكون شعارها "فنّ لأجل التغيير"".

من جانبه، أشاد المصوّر الفلسطينيّ من غزّة حسام سالم بفكرة معرض "ألعاب غير معترف بها"، وقال لـ"المونيتور": "بدارنة استطاع أن يأتي بشيء جديد وغير تقليديّ، وأن ينقل الواقع من خلال صوره، وأن يساعد المكان والبلد الذي يقوم بتصويره".

أضاف سالم: "الصورة اليوم هي أبلغ من الكلام، صورة واحدة تكون غلاف أكبر المجلّات العالميّة وتؤثّر جدّاً في المتلقّي"، مشيراً إلى أنّ الصور التي يلتقطها بدارنة، كما المصوّرون الفلسطينيّون المميّزون، تترجم مقولة إنّ "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة".

وتابع: "ترى صورة إنسانيّة، لكنّها تشبعك فرحاً على الرغم من بساطتها، وتنقل لك همّ ذلك الشخص المنسيّ في قرية لا يعترف بها أحد، وفرحه وحزنه".

وذكر سالم أنّه "يستفيد من خبرات بدارنة، ويؤمن بنجاح ما يقوم به ويخطّط له"، مؤكّداً أنّه نجح في إيصال رسالة سكّان قرى النقب غير المعترف بها، واستطاع أن يسلّط الضوء على معاناتهم من خلال معرض "ألعاب غير معترف بها".

يشار إلى أنّ منطقة النقب الصحراويّة تشكّل نسبة 40% من مساحة فلسطين التاريخيّة.

وفي ظلّ حالة التهميش التي يعيشها سكّان القرى غير المعترف بها في النقب، فإنّ معرض صور "ألعاب غير معترف بها" يشكّل محاولة للفت النظر إلى فئة من الفلسطينيّين تصارع من أجل البقاء.

x