نبض العراق

أدوية تتحوّل إلى وسيلة للإدمان بين أوساط الشباب في العراق

p
بقلم
بإختصار
أصبحت الحبوب الطبّيّة المخدّرة وسيلة للشباب العراقيّ للحصول على النشوة والشعور بالانفصال عن الواقع.

بغداد - تتّسع ظاهرة بيع الأقراص المخدّرة، وحبوب الهلوسة بين الشباب في مدن العراق. ففي وسط البلاد، شنّت مكافحة إجرام محافظة واسط حملة واسعة في 6 آب/أغسطس 2017 على تجّار حبوب الهلوسة ومدمنيها.

وفي "كوفي شوب" في منطقة المنصور في العاصمة بغداد، مخصّص للنساء فقط، تتداول فتيات عراقيّات حبوب الهلوسة على نحو الإدمان. وفي البصرة (جنوب)، تنتشر طرق التخدير والنشوة بين أوساط الصبية وطلّاب المدارس والعاطلين عن العمل، حيث يمكنهم الحصول عليها بسهولة ويسر، من الباعة المتجوّلين في أرصفة الشوارع، إلى حدّ انتحار 31 مدمناً خلال ستّة أشهر لغاية 4 آب/أغسطس 2017، كما ألقي القبض على تاجر مخدّرات في 17 حزيران/يونيو 2017، وفي حوزته 10 كغ من الحبوب المخدّرة.

وفي أغلب مناطق العراق، بات مصطلح "الكبسلة" متداولاً على نطاق واسع، وهو اصطلاح شعبيّ مستمدّ لغويّاً من كلمة كبسولة، ويقصد به سلوك الإدمان على الحبوب المخدّرة. ويقول الصيدليّ العراقيّ حسين أبو لبن لـ"المونيتور" إنّ "الحبوب المصنّفة لمعالجة أمراض الشيزوفرينيا والكآبة الحادّة، وحبوب التهدئة النفسيّة والعصبيّة، وحبوب "أل سي دي"، والـ"أرتين"، وحبوب آلام المفاصل، تكون ثنائيّة الاستخدام، فيلجأ إليها الشباب المدمن، للحصول على النشوة والشعور بالمتعة تماماً مثل المخدّرات العاديّة".

ويضرب أبو لبن أمثلة على أدوية أخرى منتشرة في العراق، تستخدم لأغراض التخدير والنشوة، فيقول إنّ "الـ"ترامادول" وهو مسكّن آلام حادّ يتعاطاه الشباب للشعور بتخدير الأعصاب والراحة، سرعان ما يعتاد عليه الشخص، وتزداد جرعته منه، يوماً بعد يوم، إلى أن يصبح عاجزاً تماماً عن الإقلاع عنه".

ويؤكّد صيدليّ فضّل عدم الكشف عن هويّته في حيّ الكرادة في بغداد لـ"المونيتور" أنّ "تجارة الحبوب المخدّرة تدرّ على الكثير من أصحاب المذاخر الطبّيّة والصيدليّات أرباحاً هائلة، حيث تتسرّب بسبب الفساد، وتباع في شكل سرّيّ، عبر وسطاء إلى المستهلك". وبالفعل فقد ألقي القبض في 13 آب/أغسطس 2017 على عصابة تتاجر بالحبوب المخدّرة في شمال بغداد.

ويؤكّد ذلك أيضاً، ما كشفته لجنة الصحّة والبيئة النيابيّة في 15 كانون الثاني/يناير 2017 عن انتشار ظاهرة اﻷدوية المنتهية الصلاحية، وغير المرخّصة وحبوب الهلوسة، حيث ضبطت سيّارة محمّلة بـ70 صندوقاً من الأدوية غير المجازة في العاصمة بغداد.

المصدر الآخر لهذه الوسائل المخدّرة، هو التصنيع المحلّيّ، ممّا يعدّ تطوّراً خطيراً في انتشار الإدمان وتحوّله إلى صناعة محلّيّة، وفق ما كشفه قضاة في 1 كانون الأوّل/ديسمبر 2016، عن تجّار يسعون إلى نقل صناعة مادّة الكريستال المحظورة إلى العراق، باستحداث مصانع.

فيما يعتبر التهريب عبر الحدود مع إيران، أحد الروافد المهمّة لتوفير حبوب الهلوسة، في الوقت الذي تفيد تقارير أنّ العراق لم يعــد محطة مرور للمخدّرات، بل أصبح نقطة توزيع لها بين الدول المجاورة، وأصبح معظم تجّار المخدّرات في شرق آسيا يوجّهون بضاعتهم نحو العراق.

ويرى الأكاديميّ في علوم الاجتماع والنفس من جامعة واسط الدكتور ماجد مرهج السلطاني في حديثه إلى "المونيتور" أنّ "البحوث الميدانيّة، التي أجراها قسم علم الاجتماع في الجامعة، تشير إلى أنّ "الكثير من الشباب يلجأون إلى حبوب الهلوسة المخدّرة، في مرحلة المراهقة، هروباً من مشاكل عاطفيّة أو عائليّة أو نفسيّة".

ويضيف: "هناك أسماء شعبيّة متداولة لأنواع حبوب الهلوسة، لتمرير التعامل معها من دون ضجّة أو مشاكل مع المجتمع، مثل الأحمر، أبو الشارب، أبو القلب، والورديّ". وفي حين يعترف عضو لجنة العمل والشؤون الاجتماعيّة البرلمانيّة النائب عبد العزيز الظالمي لـ"المونتيور" بأنّ "هناك انتشاراً للمخدّرات في العراق"، فإنّه يؤكّد أنّ "لا إحصاء رسميّ عن عدد المدمنين، لكنّ العدد ازداد في شكل واضح في السنوات الخمس الأخيرة"، مرجعاً ذلك إلى "البطالة والفقر كعاملين يدفعان الى الإدمان".

وقال الظالمي لـ"المونيتور" إنّ "العراق يسعى إلى استراتيجيّة وطنيّة لمكافحة تأثير المخدّرات في المجتمع، وأوّل هذه الخطوات إقرار قانون المخدّرات لسنة 2016، الذي وضع عقوبات صارمة على الإتجار بالمخدّرات، وحيازتها، وتعاطيها".

وتابع بالقول: "تتضمّن الاستراتيجيّة إنشاء مراكز صحّيّة متطوّرة لمكافحة الإدمان تتضمّن علاجات نفسيّة وبحوثاً اجتماعيّة، والسيطرة والتدقيق في المنافذ الحدوديّة، وتوفير وسائل الترفيه والمراكز الاجتماعيّة والرياضيّة التي تدمج العاطلين عن العمل في فعاليّات نافعة وإيجابيّة فيها".

ويحرّم قانون المخدّرات والمؤثّرات العقليّة لسنة 2016 صناعة المخدّرات والمتاجرة بها أو حيازتها، فيما نصّت المادّة 14 من قانون المخدّرات على عقوبة الإعدام أو السجن المؤبّد ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة لكلّ من تعامل بغير إجازة من السلطات المختصّة، مع أيّ نوع من المخدّرات أو أنتجها أو صنعها بقصد الإتجار بها.

غير أنّ مثل هذه الإجراءات العقابيّة لن تنجح في القضاء على ظاهرة انتشار المخدّرات في شكل عامّ وحبوب الهلوسة في شكل خاصّ، بحسب رئيس الجمعيّة النفسيّة العراقيّة قاسم حسين صالح الذي قال لـ"المونيتور" إنّه "من الضروريّ التركيز على إنقاذ الشباب من المشاكل التي يعاني منها، والتي جعلته يشعر بأنّ حياته بلا معنى، ممّا يدفعه إلى البحث عن الأدوات التي تفصله عن الواقع، حيث يحلّق في نشوة من جرّاء تعاطي الحبوب المخدّرة، لكن ما إن ينتهي مفعولها حتّى يصطدم بالواقع".​

إنّ ردع الظاهرة بالعقوبات وحدها، في بلد مثل العراق خرج لتوّه من الحرب، لن يكون ناجعاً بما فيه الكفاية، من دون الاهتمام بقطاع الشباب، في توفير فرص العمل، وإقامة الفعاليّات الاجتماعيّة والثقافيّة والترفيهيّة التي تستقطبهم في أوقات فراغهم، لانتشالهم من الكازينوهات والتجمّعات التي تشجّع على تعاطيهم المخدّرات. كما أنّ هناك حاجة إلى البرامج الوقائيّة التي تبصّر بأضرار المخدّرات، فضلاً عن الإجراءات الأمنيّة والاقتصاديّة التي تحول دون تسرّب الأدوية المخدّرة إلى الأسواق.

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x