نبض لبنان

بعد الانتصار على داعش، الجيش اللّبناني ينافس حزب الله

p
بقلم
بإختصار
إنّ انتصار الجيش اللّبناني مؤخّرًا على داعش على الحدود السّوريّة قدّم دليلاً على القدرات العسكريّة المتزايدة لقوّات الدّولة، لكنّ حزب الله ما زال يؤدّي دورًا مهمًا ومكمّلاً في الحفاظ على الأمن اللّبناني على الرّغم من المنافسة بين الاثنين بتشجيع من الولايات المتّحدة وإيران.

في 8 أيلول/سبتمبر، وجّه لبنان تحيّة للجنود الذين سقطوا في خلال الهجوم الأخير الذي شنّه الجيش على تنظيم الدّولة الإسلاميّة، والجنود الذين أعدمتهم المجموعة الإرهابيّة بعد خطفهم منذ ثلاث سنوات في العام 2014. لا يزال الجدل مستمرًا في السّاحتين السّياسيّة والإعلاميّة بشأن النّتائج المترتّبة على العمليّة العسكريّة النّاجحة لحزب الله واستراتيجيّة لبنان الدّفاعيّة، بالاستناد حتّى الآن إلى ثلاثيّة الجيش والشّعب والمقاومة. بُنيت شرعيّة تدخّل حزب الله في سوريا على خطاب حماية لبنان ممّا يسمى مجموعات "تكفيريّة"، وهي فكرة طاغية اكتسبت شعبيّة واسعة، بما في ذلك في صفوف بعض شرائح السّكان المعادية عادة لحزب الله.

منذ انطلاق عمليّة فجر الجرود في 19 آب/أغسطس على أطراف قريتي القاع ورأس بعلبك، بالقرب من الحدود السّوريّة، انخفضت شرعيّة حزب الله في أعين بعض المراقبين. فحزب حسن نصرالله "ما عاد بالإمكان اعتباره الفاعل العسكري الوطني الأبرز"، بحسب آرام نيركيزيان، وهو مساعد بارز يترأس كرسي أرليه بورك في الشّؤون الاستراتيجيّة في مركز الدّراسات الاستراتيجيّة والدّوليّة. وقال للمونيتور إنّ "الجيش أظهر قدرات هجوميّة عالية المستوى لدى إيجاد بيئة تمكينيّة".

وقال الجنرال المتقاعد خليل الحلو للمونيتور إنّ "النّصر العسكري الأخير غير مسبوق في التّاريخ الحديث. فالجيش لم يكن بهذه الفعاليّة والمهنيّة منذ العام 1943".

وإنّ العمليّة، التي انتهت في أقلّ من أسبوعين وأدّت بحسب الجيش إلى مقتل أكثر من 150 جهاديًا، اختتمت بصفقة بين حزب الله وداعش لإجلاء ما تبقّى من مقاتلين محتجزين في جزء صغير من المنطقة التي كانوا يسيطرون عليها سابقًا، ونقلهم إلى الحدود السّوريّة العراقيّة.

تجدر الإشارة إلى أنّ الجيش اللّبناني نفّذ عدّة عمليّات ناجحة منذ انتهاء الحرب الأهليّة اللّبنانيّة في العام 1990. وجرت العمليّات بالقرب من مخيّم اللاجئين الفلسطينيّين في المية ومية عام 1991، وفي منطقة الضنية بعدها بتسع سنوات، تلت ذلك معركة نهر البارد ضدّ فتح الإسلام في العام 2007 فضلاً عن عمليّة أخرى ناجحة في العام 2013 ضدّ جماعة الشيخ أحمد الأسير السّلفيّة في صيدا. وفي العام 2014، فرض الجيش خطّة أمنيّة صارمة في مدينة طرابلس وسط النّزاع السّوري وما تبع ذلك من اشتباكات مسلّحة اندلعت بين منطقة جبل محسن العلويّة وأحياء باب التبانة السّنيّة.

لكنّ المعركة الأخيرة التي فاز بها الجيش لها أبعاد خاصّة، هي هويّة العدوّ الذي يعتبر أسوأ المجموعات الإرهابيّة في العالم منذ تنظيم القاعدة، وكذلك سرعة العمليّة وفاعليّتها. وقال الكولونيل فادي أبو عيد في مقابلة هاتفيّة إنّ سبعة جنود فحسب قتلوا في المعركة.

وقال الحلو إنّ "بعض المعدّات على نفس مستوى معدّات أقوى جيوش المنطقة". فمع صواريخ الأي جي أم-114 هيلفاير ومخترق التّحصينات أم 141، وهو سلاح بطلقة واحدة يُحمل على الكتف مُصمَّم لتدمير البنيات المحصّنة، لم يكن يملك الجيش اللبناني قطّ كهذه الأسلحة القويّة والحديثة التي تلقّاها من الولايات المتّحدة. وشدّد الحلو على أنّ "صواريخ هيلفاير تملكها خمسة بلدان فقط حول العالم، في حين لا توجد مخترقات التّحصينات أم 141 في أيّ بلد خارج الولايات المتّحدة باستثناء لبنان".

مع ذلك، لا يعترف اللّبنانيّون بالإجماع بسيادة الجيش. وبحسب بيار أبي صعب، نائب رئيس تحرير صحيفة الأخبار اليوميّة الموالية لحزب الله، "لما كان نصر الجيش ممكنًا بدون دعم حزب الله".

وأضاف قائلاً إنّ "تدخّل الحزب في سوريا منذ العام 2013 وانتصاراته المتعدّدة أضعفت داعش وخلقت بالتالي بيئة مؤاتية لنجاح الجيش في العمليّة الأخيرة ... التي جرت بدون معارك حقيقيّة، نظرًا إلى أنّ المجموعة كانت واهنة بالفعل، في وقت كان فيه كلّ من حزب الله والجيش السّوري يقودان معركة متزامنة على الجانب الآخر من الحدود في الجزء الغربي من القلمون".

خاض الجيش أيضًا هذه المعركة الأخيرة في "أرض محايدة" لأوّل مرّة منذ عقود، بعد أن انتشر تدريجيًّا على الحدود السّوريّة.

وأوضح نيركيزيان أنّ "الجزء الأكبر من الحدود يقع الآن ضمن نطاق الجيش. تمتدّ كتيبة الحدود البريّة الأولى من العريضة إلى وادي خالد، في حين تسيطر الثانية على المنطقة من وادي خالد إلى عرسال، والثالثة من المصنع إلى راشيا، والرابعة – التي كانت تعزّز قوّاتها هذا العام بشكل تدريجي – ستنتشر بين عرسال والمصنع. ويعتزم الجيش اللّبناني استكمال نظام الأمن الحدودي الذي يقوم ببنائه منذ العام 2012 في أسرع وقت ممكن".

بالنّسبة إلى الحلو، إنّ تزايد قدرة الجيش العسكريّة، بفضل "1.2 مليار دولار من الدّعم المالي قدّمته الولايات المتّحدة منذ العام 2008" يؤكّد "توازن القوى الطّويل الأمد بين حزب الله والجيش لصالح هذا الأخير". وأكمل بقوله إنّ "الجيش باتت لديه الآن مدفعيّة إم 109 ذاتيّة الحركة من عيار 155 ملم يجري التحكّم بها عن طريق نظام جي بي أٍس، فضلاً عن طائرة مقاتلة، وهذا لا يملكه حزب الله. ... وهذه الأسلحة لا يمكن مقارنتها بصواريخ الكاتيوشا من حيث القوّة النّاريّة والدقّة".

كان لأبي صعب رأي مخالف معتبرًا "أوّلاً أنّ الكيانين يكمّلان بعضهما ولا يحلّ أحدهما محلّ الآخر كما ثبت على الأرض في معركة عرسال وعمليّات أخرى أدّى فيها حزب الله دورًا قياديًا". وأضاف ثانيًا أنّ "الجيش اللّبناني، مع كلّ كفاءته وقدرته، لا يملك 10% من خبرة حزب الله الميدانيّة التي اكتسبها في اليمن، والعراق وسوريا ... ولا بروح الاستشهاد والمقاومة التي تميّز الحزب ومقاتليه".

وبحسب ما قاله، هناك "استراتيجيّة واضحة لخلق توتّر" بين الجيش وحزب الله. وأردف قائلاً أنّ "القيادة العسكريّة الأميركيّة في الشّرق الأوسط اتّصلت بنظرائها اللّبنانيّين قبل العمليّة ضدّ داعش وفي خلالها، طالبة منهم الإعراب عن استقلالهم الكامل عن حزب الله".

وبعيدًا عن اللّعبة الجيوسياسيّة والحرب الباردة بين واشنطن وطهران، الدّاعمة لحزب الله، التي تهدف إلى تعزيز كيان على حساب الآخر، يبرز أمر واحد مؤكّد. حتّى لو لم تعد قدرات الجيش موضع شكّ، لم يترجم الانتصار في الميدان في العمليّة الأخيرة إلى مكسب سياسي للدّولة اللّبنانيّة. فقد جرى في النّهاية تعليق المرحلة الأخيرة من المعركة، عكس تمنّيات الأميركيّين وأهدافهم، نتيجة المفاوضات التي أجراها حزب الله والنّظام السّوري مع داعش من أجل تبادل للمعلومات والأسرى مقابل إجلاء مقاتلي داعش إلى محافظة دير الزور السّوريّة.

وهذه الاتّفاقيّة غير المسبوقة سمحت لحزب الله بوضع حدّ لعمليّة يقودها الجيش الوطني وقيادته السّياسيّة ضدّ مجموعة إرهابيّة. إلا أنّ هذه الصّفقة كانت ذات حدّين، فهي شوّهت أيضًا سمعة الحزب الذي اتّهمه بعض العراقيّين واللّبنانيّين باللّعب مع الشّيطان.

بالنّسبة إلى عدد كبير من المراقبين، بمن فيهم الضّباط العسكريّين السّابقين، سيواصل حزب الله التّصرّف بحريّة في ظلّ غياب إرادة سياسيّة محليّة واضحة للاستئثار بالقرارات السّياسيّة والعسكريّة، ولن يمنع الانتشار التّدريجي للجيش على طول الحدود انتقال المقاتلين والأسلحة بحريّة من وإلى سوريا.

واختتم الحلو بقوله إنّه "على الرّغم من وجود كتائب حدوديّة وأبراج مراقبة قدّمها البريطانيّون لمنع التّهريب، لا يزال مقاتلو حزب الله يعبرون الحدود، في حين يتم نقل الأسلحة عبر المناطق التي لا يتواجد فيها الجيش، بمباركة ضمنيّة من الحكومة".

وجد في : lebanon-syria border, islamic state, lebanese politics, lebanese army, hezbollah in lebanon, hezbollah
x