نبض العراق

عراقيّون يدعون إلى علاقات مع إسرائيل

p
بقلم
بإختصار
يظهر عراقيّون تأييداً لإقامة علاقات مع إسرائيل، بينما يحرص يهود في إسرائيل على إطلاق إشارات التشجيع ورسائل الصداقة لهم.

العراق، بغداد- في اهتمام واضح للعراقيّين بمستقبل علاقة بلادهم مع إسرائيل غير المعترف بها من قبل حكومات بلادهم منذ تأسيس الدولة العبريّة في عام 1948، طالب الناطق باسم العشائر العربيّة في نينوى الشيخ مزاحم الحويتي في 29 آب/أغسطس 2017 بتطبيع العلاقات، داعياً إلى "علاقات طيّبة ومتينة مع تلّ أبيب".

وفي حين لم يفصح الشيخ عن دوافع ذلك، إلّا أنّ تصريحه يتزامن مع توجّهات شعبيّة من قبل مواطنين أكراد أيضاً، للجهر بضرورة العلاقة مع إسرائيل التي أبدت تأييدها لإقامة دولة مستقلّة في شمال العراق، على لسان رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو في 13 أيلول/سبتمبر الحاليّ.

وفي تناسق في هذا الاتّجاه، بدا كما لو أنّه مخطّط له، شاركت الناشطة الإيزيديّة التي كانت سبيّة لدى تنظيم "داعش" نادية مراد في مؤتمر أقيم في الكنيست الإسرائيليّ في 25 تمّوز/يوليو 2017، مخصّص لجرائم التنظيم، الأمر الذي أثار لغطاً بين مؤيّد ومعارض.

وتبع ذلك انتشار أغانٍ في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعيّ تمجّد العلاقة بين كردستان العراق وإسرائيل، فيما تشير تقارير إلى صداقة بين أربيل وتلّ أبيب، يتمّ التعتيم عليها في شكل متعمّد.

وفي 3 آذار/مارس 2017، صافح الموسيقار العراقيّ نصير شمة (شيعيّ) السفير الإسرائيليّ لدى الـ"يونسكو"، ذا الأصول العراقيّة كرمل هكوهن، خلال حفل ثقافيّ نظّمته المنظّمة الثقافيّة الأمميّة، ما اعتبر تطبيعاً للعلاقات العراقيّة-الإسرائيليّة، عبر الموسيقى.

وفي بغداد والوسط والجنوب حيث الأكثريّة من العرب الشيعة، يمكن رصد ملامح انحسار التعصّب والعداء تجاه إسرائيل في الكثير من التصريحات والتدوينات على مواقع التواصل الاجتماعيّ. ففي 9 أيلول/سبتمبر2017، كتب الكاتب والمحلّل السياسيّ علي مارد الأسدي أنّه "ليس من مصلحة الشيعة معاداة إسرائيل، وأنّ على الشيعة واليهود التوصّل إلى تفاهمات على أسس إنسانيّة مشتركة تضمن التعايش السلميّ في الشرق الأوسط".

واتّصل "المونيتور" بالأسدي، ليسأله في ما إذا كانت وجهة نظره هذه تمثّل دعوة إلى علاقات عراقيّة-إسرائيليّة، فقال: "لو وضعنا تأثير الأجندة الإيرانيّة ومخلّفات الثقافة البعثيّة جانباً، لن نجد سبباً منطقيّاً واحداً يبرّر بقاء حالة عداء العراق الرسميّ لإسرائيل، خصوصاً وأنّ غالبيّة الدول العربيّة بما فيها الدولة الفلسطينيّة ذاتها، تقيم علاقات مع تلّ أبيب".

وينقل الأسدي استطلاعه في الشارع العراقيّ، والشيعي بالذات، فيقول: "هناك تحوّل دراماتيكيّ ساهم في تغيير الرأي العامّ كنتيجة لانخراط الفلسطينيّين في دعم الديكتاتور صدّام حسين، ومن ثمّ التورّط في المشاركة في العمليّات الإرهابيّة".

وتابع: "تتملّك غالبيّة شيعة العراق عقدة الشعور بالذنب لأنّهم لم ينصروا الطائفة اليهوديّة المسالمة، التي عاشت معهم عبر مئات السنين بسلام ووئام، وشاركتهم العيش في وطن واحد، والتي تعرّضت إلى الاضطهاد والتهجير في حقبة الحكم الملكيّ والبعثيّ". وظهرت في مواقع التواصل الاجتماعيّ فتاة عراقيّة في مقطع فيديو تتحدّث عن "تضامن الشعب العراقيّ مع إسرائيل".

ويرصد المحلّل السياسيّ ماهر عبد جودة في تصريحه إلى "المونيتور" هذا الاتّجاه المتعاطف مع إسرائيل في العراق، فيقول: "حتّى السنّة في العراق، الكثيرون منهم يتناغمون مع السنّة في السعوديّة والأردن ودول الخليج في السعي الى إقامة العلاقات مع إسرائيل"، مرجعاً أسباب ذلك إلى "العامل الطائفيّ حيث يبغض هؤلاء إيران الشيعيّة التي تعادي إسرائيل".

وحول الاتّجاه الرسميّ العراقيّ، يرى ماهر أنّ "الدولة العراقيّة ترفض العلاقات مع إسرائيل، وفي حال وجود موقف مستجدّ يخالف ذلك، فإنّ الأحزاب والفصائل الشيعيّة النافذة في العراق المتحالفة مع إيران، سوف تقف ضدّ ذلك". ويضيف: "لكنّ الرأي العام الشيعيّ لم يعد معادياً لإسرائيل مثل السابق، بسبب مشاركة العرب لا سيّما الفلسطينيّين، في أعمال التفجير في العراق". وهذ الرأي يؤكّده أيضاً تزايد أعداد المتضامنين مع إسرائيل في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعيّ.

وليست مشاريع العلاقة مع إسرائيل جديدة، ففي 12 أيلول/سبتمبر 2008، ذكرت صحيفة معاريف الإسرائيليّة أنّ عضو البرلمان العراقيّ مثال الآلوسى ألقى كلمة في مؤتمر هرتسليا، داعياً إلى "إقامة علاقات مع إسرائيل"، الأمر الذي دفع "المونيتور" إلى الاتّصال به، ليقول إنّ "الحاجة إلى التواصل والحوار مع الجميع على مستوى الدول والأحزاب والأفراد من ضمنها إسرائيل، هي الطريق لحلّ المشاكل في المنطقة وتحقيق مستقبل آمن لجميع الشعوب".

واعتبر الآلوسي أنّ "ثورة التواصل التي يشهدها العالم، جعلت من الجميع قادر على التعبير عن رأيه ولم يعد الفرد ملزماً بموقف الدولة والحكومة في بلاده، الأمر الذي يظهر الكثير من المواقف المؤيّدة لإسرائيل".

 كما أنّ النائب في البرلمان العراقيّ شروق العبايجي تؤكّد لـ"المونيتور" "وجود مواقف فرديّة كثيرة في المجتمع العراقيّ تدعو إلى علاقات مع إسرائيل لكنّها لا تمثّل موقفاً رسميّاً"، مشيرة إلى أنّ "إسرائيل تسعى إلى تطوير هذه الاتّجاهات عبر أجندة خاصّة لصالح إنضاجها".

وتزيد الكاتبة اليهوديّة ليندا منوحين عبد العزيز ذات الأصول العراقيّة وتعيش في إسرائيل، في اتّصال مع "المونيتور" على ذلك بالقول: "ألمس لدى الكثير من العراقيّين الذين أتواصل معهم، الحماس لعلاقات مع إسرائيل"، مشيرة إلى أنّ "الكثيرين منهم يودّون زيارة إسرائيل وحتّى الإقامة النهائيّة فيها".

وتابعت: أرى أنّ العلاقة مع العراق ستكون أمراً ممكناً بعد حين، وآمل أن أكون السفيرة الإسرائيليّة الأولى في العراق".

في المقابل، يرصد اليهود في إسرائيل هذه الاتّجاهات في المجتمع العراقيّ ويسعون إلى تشجيعها. ففي 4 آب/أغسطس 2017، وجّهت اليهوديّة في إسرائيل زهافا براخا عبر صفحة العراق وإسرائيل التفاعليّة على "فيسبوك"، رسالة تضامن إلى العراقيّين، قائلة: "نحن يهود العراق نشدّ أيادي أصدقاء الشعب الإسرائيليّ في بلاد الرافدين، ونقدّر جهودهم المبذولة لنشر رسالة السلام والمحبّة في هذه الأوقات الصعبة".

لا شكّ في أنّ العراقيّين بعد تجارب الحروب الطائفيّة الدمويّة والحروب الخارجيّة، بدؤوا يدركون أكثر من ذي قبل أهمّيّة السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وحلّ المشاكل على اختلاف أنواعها، بالحوار والتفاهم.

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x