نبض فلسطين

الكنائس ترفص محاولات إضعاف الوجود المسيحيّ في القدس

p
بقلم
بإختصار
في ظلّ جمود عمليّة السلام الفلسطينيّة الإسرائيليّة وسعي الحكومة الإسرائيليّة اليمينيّة إلى توسيع رقعة المستوطنات، تجد الكنائس في القدس نفسها من جديد تحت الأضواء مع الحديث عن بيعها أراضٍ لإسرائيل.

يبدو أنّ عدم حصول أيّ تقدّم في المفاوضات الفلسطينيّة الإسرائيليّة عزّز رغبة إسرائيل في السيطرة على مزيد من الأراضي والمواقع الاستراتيجيّة. وتبرز هذه المشكلة بشكل خاصّ في القدس، وتتمحور حول أملاك الكنائس في هذه المدينة المقدّسة.

وقد أصدرت الكنائس في القدس بياناً شديد اللهجة في 4 أيلول/سبتمبر أدانت فيه ما أسمته محاولات إسرائيل لتغيير الوضع الراهن في المدينة. وكرّر البيان المشترك، الذي وقّعه رؤساء الكنائس الأرثوذكسيّة والكاثوليكيّة والأرمنيّة والقبطيّة واللوثريّة والأنغليكانيّة، التشديد على أهميّة احترام الحكومات حقوق الكنائس وامتيازاتها.

وجاء في البيان ما يأتي: "نجد أنفسنا الآن موحّدين مجدّداً من أجل إدانة التعدّي على الوضع الراهن الحاصل مؤخّراً. في هذا النوع من المسائل، يكون رؤساء الكنائس حازمين وموحّدين من أجل معارضة أيّ تحرّك تقوم به أيّ سلطة أو مجموعة يقوّض القوانين والاتّفاقات والأنظمة التي سادت حياتنا على مدى قرون من الزمن".

وتصبّ الكنائس اهتمامها بشكل خاصّ على قرار قضائيّ إسرائيليّ ومشروع قانون يؤثّران كلاهما على أملاك الكنائس.

وقال عضو اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة المعنيّ بشؤون الكنائس، حنا عميرة، لـ "المونيتور" إنّ ما يحصل في موضوع أملاك الكنائس في القدس مثير للقلق. وأضاف: "بالنسبة إلينا في القيادة الفلسطينيّة، تُعتبر مسألة القدس مسألة مهمّة في سياق سعينا إلى دولة مستقلّة عاصمتها القدس".

وأشار بيان الكنائس إلى قرار أصدرته المحكمة المركزيّة الاسرائيليّة في الأوّل من آب/أغسطس بشأن فندقين اثنين يقعان عند مدخل باب الخليل كدليل على خرق الوضع الراهن. وجاء فيه ما يأتي: "إنّ الحكم الصادر في قضيّة "باب الخليل" ضدّ بطريركيّة الروم الأرثوذكس في القدس، والذي نعتبره مجحفاً، ... يقيّد حقوق الكنائس المتعلّقة بأملاكنا الخاصّة ويشكّل انتهاكاً إضافيّاً للحقوق التي لطالما ضمنها الوضع الراهن".

يشار إلى أنّ قضيّة باب الخليل القانونيّة، التي خسرتها الكنيسة وقرّرت استئنافها، تتعلّق بصفقة مشبوهة لبيع الفندقين قام بها مسؤول كنسيّ يدعى نيكولاس باباديموس من دون علم البطريركيّة أو موافقتها. وتحدّثت وسائل الإعلام الإسرائيليّة عن الكشف في القضيّة عن ادّعاءات عدّة بشأن دفع الجهة الشارية رشاوى للمسؤول الكنسيّ في صفقة بيع فندقين عند مداخل باب الخليل ومنزل في البلدة القديمة بلغت قيمتها مليوني دولار أميركيّ تقريباً.

وقد تمكّنت جمعيّة "عطيريت كوهانيم" الإسرائيليّة اليمينيّة المتطرّفة من إقناع المسؤول رفيع المستوى في كنيسة الروم الأرثوذكس ببيع الفندقين ذوي الموقع الاستراتيجيّ، اللذين يوفّران أحد المداخل الأقرب من القدس الغربيّة إلى القدس القديمة.

ويتخوّف الفلسطينيّون ورؤساء الكنائس من استخدام الفندقين كمسكن للمستوطنين اليهود المتشدّدين، الذين سيوتّرون الأجواء في المنطقة ذات الأكثريّة الفلسطينيّنة الواقعة داخل أسوار القدس.

وأشار عميرة إلى أنّ هاتين الملكيّتين الواقعتين عند مدخل باب الخليل والمشار إليهما في بيان الكنائس استراتيجيّتان، قائلاً: "في مفاوضات كامب ديفيد في العام 2000، تمّت مناقشة مسألة الحوض المقدّس في القدس ورفضنا التخلّي عنه، ولهذا السبب يُعتبر الفندقان عند باب الخليل استراتيجيّين بالنسبة إلينا".

يقع الفندقان مباشرة عند مدخل باب الخليل، الذي يشكّل المدخل الوحيد المؤدّي إلى كنيسة القيامة والحائط الغربيّ، ويضطلعان بدور استراتيجيّ في توفير بيئة ترحّب بالزّوار أو ترفضهم، بحسب الطرف الذي ينتمون إليه.

ويُعتبر الحوض المقدّس المنطقة التي تتضمّن المواقع الدينيّة الأكثر أهميّة بالنسبة إلى اليهود والمسيحيّين والمسلمين في القدس القديمة.

وقد وصف المؤرّخ المسيحيّ الفلسطينيّ وأمين عامّ الهيئة الإسلاميّة المسيحيّة لنصرة القدس والمقدّسات، حنا عيسى، قضيّة باب الخليل بأنّها "قضيّة وطنيّة".

وقال إنّها "تعكس بوضوح المحاولات الإسرائيليّة الهادفة إلى إضعاف الوجود المسيحيّ الفلسطينيّ بغية جعل المدينة أكثر يهوديّة. إنّ المسألة صعبة جداً وتتطلّب تنسيق الجهود بين رؤساء الكنائس والأردن ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة".

ويوافقه عميرة الرأي بشأن الحاجة إلى التنسيق. فقد قال: "يتعيّن على الأردن، بصفتها حافظة الإرث الإسلاميّ والمسيحيّ في القدس، بذل جهود حثيثة لوقف محاولات المجموعات اليهوديّة اليمينيّة الهادفة إلى الاستيلاء على الأملاك الفلسطينيّة من خلال وسائل "ملتوية"".

وبحسب المسؤولين الفلسطينيّين، أنشأت الجمعيّة الاسرائيليّة الاستيطانيّة شركة غربيّة مزيّفة كالجهة الشارية للأملاك ونجحت في إقناع شخص من داخل الكنيسة بإبرام الصفقة.

فرفعت الكنيسة دعوى قضائيّة باعتبار أنّ باباديموس لا يملك الحقّ في بيع أملاك تابعة للكنيسة باستخدام وكالة محدودة، وأنّ صفقة البيع هي بالتالي باطلة. لكنّ المحكمة حكمت بأنّ الصفقة سارية المفعول بما أنّه تمّ تبادل مبالغ ماليّة وقبولها.

ويتخوّف رؤساء الكنائس أيضاً من مشروع قانون يتمّ تمريره في الكنيست ويهدف إلى الاستيلاء على أملاك كنسيّة. يشار إلى أنّ الأملاك الكنسيّة جميعها تباع عادة من خلال عقود إيجار طويلة الأمد، علماً أنّ هذه العمليّة بدأت تتغيّر. وقالت عضو الكنيست الإسرائيليّ راشيل أزاريا إنّ الهدف من هذا القانون هو حماية السكّان المقيمين في بعض هذه الأملاك من المطوّرين المتعطّشين للمال.

وقالت أزاريا لصحيفة "جيروسالم بوست" في 5 أيلول/سبتمبر: "إنّ مشروع قانون ملكيّة الأراضي الذي اقترحته له هدف واحد فقط هو حماية السكّان. فقد اشترت مجموعة من روّاد الأعمال الأثرياء الأرض من الكنيسة وقد يجد آلاف السكّان المقيمين في القدس أنفسهم مشرّدين بعد أن اشتروا منازلهم بعدل وإنصاف".

وتنصّ قرارات عدّة صادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة على رفض المحاولات الإسرائيليّة الهادفة إلى تغيير طابع القدس الشرقيّة ووضعها القانونيّ. وينصّ القرار 298، الصادر في أيلول/سبتمبر 1971، بوضوح على رفض الأعمال الإسرائيليّة تجاه القدس. ويؤكّد القرار "بأوضح العبارات الممكنة أنّ جميع الأعمال التشريعيّة والإداريّة التي قامت بها إسرائيل لتغيير وضع مدينة القدس، ومن ضمنها مصادرة الأراضي والممتلكات، ونقل السكّان، والتشريع الذي يهدف إلى ضمّ القطاع المحتلّ، لاغية كليّاً ولا يمكن أن تغيّر ذلك الوضع".

ومع أنّ الكنائس تتمتّع بدرجة عالية من الاسقلاليّة، تمكّنت إسرائيل على ما يبدو من استغلال نقطة ضعف مترسّخة في كنيسة الروم الأرثوذكس، التي تملك الكثير من الأراضي لكنّها تفتقر إلى المال. وتمرّ الأعمال الإسرائيليّة بلا حسيب ولا رقيب في هذه الأيّام في ظلّ وجود كنيست وحكومة مؤيّدين للمستوطنات ويسيطران على السياسات التشريعيّة والتنفيذيّة. وقد تبيّن أيضاً أنّ عمليّة السلام لا تضطلع بدور فعّال في كبح رغبة إسرائيل في السيطرة على أملاك استراتيجيّة في القدس عند مدخل باب الخليل.

في هذا السياق، قد تنجح جهود فلسطينيّة أردنيّة مصحوبة بدرجة عالية من مناصرة الكنائس في إبطاء عمليّة تغيير طابع بلدة القدس القديمة منذ حزيران/يونيو 1967.

داود كُتّاب كاتب مساهم في صفحة "نبض فلسطين" في موقع المونيتور. إنه صحافي فلسطيني وناشط إعلامي، و"بروفيسور فيريس" سابق في الصحافة في جامعة برينستون، وهو حاليًا المدير العام لشبكة الإعلام المجتمعي، وهي منظمة غير ربحية تسعى لدعم الإعلام المستقل في المنطقة العربية. كُتّاب ناشط في الدفاع عن حرية الإعلام في الشرق الأوسط، وهو كاتب أعمدة في صحف "جوردان تايمز" و"جيروزالم بوست" و"ديلي ستار" اللبنانية، وشارك في إنتاج عدد من الأفلام الوثائقية الحائزة على جوائز وبرامج الأطفال التلفزيونية. نال عدة جوائز دولية، بما فيها جائزة حرية الصحافة من لجنة حماية الصحافيين في نيويورك، وجائزة لايبزغ للشجاعة في الحرية، وجائزة السلام عبر الإعلام من مؤسسة نيكست البريطانية.

x