نبض مصر

نجيب محفوط رغم رحيله هو شاهد على عصور الإهمال والفساد والصراع والتطرّف والتخبّط

p
بقلم
بإختصار
تجدّدت وعود افتتاح متحف نجيب محفوظ في كانون الأوّل/ديسمبر من العام الحاليّ، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان التاريخ الطويل من وعود الدولة بافتتاح المتحف وأسباب تعطّل افتتاحه بعد 11 عاماً على رحيل أديب نوبل، رغم تعاقب العديد من الحكومات ووزراء الثقافة والأنظمة السياسيّة خلال تلك الفترة.

القاهرة – حلّت الذكرى الـ11 لرحيل الأديب المصريّ العالميّ نجيب محفوظ في 30 آب/أغسطس من عام 2017، ولم يشفع إسهامه في إثراء الرواية المصريّة أو حصوله على جائزة نوبل في الأدب لدى المسؤولين المتعاقبين على مصر في التعجيل بحماية مقتنياته خوفاً من أن يطويها النسيان أو التلف، بضمّها في متحف نادى بتأسيسه العديد من المثقّفين منذ رحيله، وما زالت وعود افتتاحه على ألسنة المسؤولين مستمرّة، وكان آخرها ما قاله رئيس صندوق التنمية الثقافيّة أحمد عواض في تصريحات صحافيّة بـ4 أيلول/سبتمبر، بأنّ أعمال تأسيس المتحف ستنتهي بين 40 و50 يوماً من تاريخ تصريحاته.

وعلى هامش ندوة "نجيب محفوظ الأديب والإنسان" التي نظّمتها جمعيّة "روّاد نادي الزهور" في 29 آب/أغسطس لإحياء ذكرى أديب نوبل، قال المهندس أحمد عماد العبودي، وهو رجل الأعمال المقرّب من نجيب محفوظ، لـ"المونيتور": "من المفترض أن يضمّ المتحف مكتب نجيب محفوظ ومكتبته وأوسمته ونياشينه وآلاف الصور له، فلديّ المئات منها التي سأهديها إلى المتحف مع انطلاقه، إضافة إلى مسودّات الشخصيّات التي كتب عنها محفوظ، إذ أنّه كان يعدّ لكلّ شخصيّة يكتب عنها كراسة كاملة بكلّ تفاصيلها وصفاتها وعاداتها وهيئتها".

عصور الإهمال

تعود فكرة إقامة متحف لنجيب محفوظ إلى عام 2006، حين أصدر فاروق حسني وزير الثقافة آنذاك في عهد نظام الرئيس حسين مبارك قراراً بإنشاء المتحف. وفي تلك الفترة، وقع الاختيار على "تكيّة محمّد أبو الدهب"، أحد المواقع الأثريّة بالقرب من منطقة الأزهر في القاهرة القديمة، لإقامة المتحف. ومنذ ذلك الحين، يتجدّد الحديث عن مشروع المتحف المعطّل كلّ عام سواء أكان في ذكرى ميلاد محفوظ أم وفاته، حتّى قيام ثورة 25 كانون الثاني/يناير من عام 2011.

وعن أسباب تعطّل مشروع المتحف، قال مصدر قياديّ في وزارة الثقافة خلال تلك الحقبة لـ"المونيتور"، مفضّلاً عدم ذكر اسمه: "اختيار تكيّة أبو الدهب لم يكن موفّقاً لأنّها كانت تحتاج إلى ترميم بحوالى 20 مليون جنيه، وهي ميزانيّة لم تكن متوافرة آنذاك، لكنّ ذلك لا يعفي الوزارة من المسؤوليّة، إذ أنّها كانت قادرة على الحصول على تمويلات من الجهات الثقافيّة العالميّة مثل اليونسكو وغيرها لترميم المنطقة وإقامة المتحف فيها، لكنّ الإهمال كان سيّد الموقف آنذاك".

ما بعد الثورة: زمن الصراع

عقب ثورة 25 كانون الثاني/يناير، انفصل المجلس الأعلى للآثار عن وزارة الثقافة ليكون وزارة مستقلّة للآثار، وكشف مصدر "المونيتور" أنّه مع مطالبة وزارة الثقافة باستكمال مشروع المتحف، ظهر الصراع بين وزارتيّ الثقافة والآثار، حينما طالبت الأولى بإقامة المتحف في قصر الأمير بشتاك بالجماليّة، بدلاً من تكيّة أبو الدهب لسرعة الانتهاء منه، واعترضت وزارة الآثار على المطلب، وقرّر مجلس الوزراء استمرار تكيّة أبو الدهب مقرّاً لمتحف نجيب محفوظ.

المتحف في زمن التطرّف

افتتحت وزارة الثقافة في 29 كانون الثاني/يناير من عام 2013 متحف "الذاكرة الثقافيّة"، وضمّ عدداً محدوداً من مقتنيات محفوظ ومخطوطاته، وسط العشرات من مقتنيات العديد من روّاد الفنّ والثقافة في مصر. ورغم أنّ المتحف افتتح في زمن حكم الرئيس الأسبق محمّد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين (من حزيران/يونيو عام 2012 حتّى تمّوز/يوليو عام 2013)، إلاّ أنّ التحضير له بدأ منذ عام 2012، عندما تقدّم رئيس المركز القوميّ للمسرح آنذاك الفنان المسرحيّ انتصار عبد الفتاح بالفكرة لمحمّد صابر عرب وزير الثقافة منذ كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2011 حتّى أيّار/مايو من عام 2013، وتحمّس الأخير للفكرة، واعتمد مخصّصاتها الماليّة قبل وصول الإخوان إلى الحكم.

وتوقّف الحديث تماماً عن متحف نجيب محفوظ، خصوصاً منذ تولّي علاء عبد العزيز المحسوب على جماعة الإخوان منصب وزير الثقافة خلفاً لمحمّد صابر عرب.

وفي هذا السياق، قال يوسف القعيد، وهو الأديب المقرّب من محفوظ، لـ"المونيتور": "الإخوان كانوا يبغضون محفوظ، وحاولوا قتله. ورغم أنّهم يتبرّأون من ذلك الاتهام، إلاّ أنّهم لم يدينوا محاولة اغتياله في عام 1995. وتوقّف مشروع المتحف تماماً في عهد الإخوان، ولم يعد طرحه، إلاّ بعد سقوط نظامهم في 3 تمّوز/يوليو من عام 2013".

التخبّط ما زال مسيطراً

خصّص الرئيس عبد الفتّاح السيسي ميزانيّات أعلى للثقافة، حيث ارتفعت ميزانيّة الاستثمارات الخاصّة في وزارة الثقافة من 284 مليون جنيه في العام الماليّ 2013/2014 إلى 385 مليون جنيه في العام الماليّ 2014/2015، ثمّ إلى 600 مليون جنيه في ميزانيّة 2015/2016، إلاّ أنّ ذلك لم يعجّل في إنهاء المتحف، حيث تباطأت عمليّات ترميم تكيّة أبو الدهب نظراً لعدم تخصيص ميزانيّة لوزارة الآثار وتمسّك محمّد صابر عرب وزير الثقافة من يوليو 2013 حتى مارس 2015، بالتكيّة كمقرّ للمتحف.

ورغم أنّ عبد الواحد النبويّ وزير الثقافة منذ آذار/مارس إلى أيلول/سبتمبر من عام 2015، قرّر نقل مشروع المتحف إلى قصر بشتاك ووعد قبل رحيله عن الوزارة بأيّام بافتتاحه في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2015، إلاّ أنّ حلمي النمنم وزير الثقافة منذ أيلول/سبتمبر من عام 2015 حتّى الآن، أعاد مشروع المتحف إلى تكيّة أبو الدهب.

ووعد حلمي النمنم بافتتاح المتحف في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2016 ولم يف بذلك، والحجّة كانت تأخّر أعمال ترميم تكيّة أبو الدهب، رغم أنّ قصر بشتاك البديل كان حاضرا، وجدّد وعوده، في تصريحات صحافيّة بـ10 آب/أغسطس من عام 2017، بافتتاح المتحف في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017.

وفي تصريحات أحمد عماد العبودي لـ"المونيتور"، قال: "التحجّج بالاعتمادات الماليّة لتأخير تأسيس المتحف غير مقبول، فترميم تكيّة أبو الدهب وتخليد ذكرى نجيب محفوظ هما واجبا وزاراتيّ الثقافة والآثار أيّاً كانت الموارد الماليّة، فهناك مشاريع عدّة يمكن أن تستخدم فيها ذكرى نجيب محفوظ لتجلب إلى الدولة ملايين الدولارات التي ستنفقها على تأسيس المتحف".

أضاف: "اقترحت أحد تلك المشاريع على وزير الثقافة حلمي النمنم بإحياء ذكرى نجيب محفوظ عالميّاً من خلال تنظيم ندوات يتحدّث فيها عن محفوظ الحاصلون على نوبل في الأدب من كلّ دول العالم وجميع الممثّلين الذين شاركوا في أفلام مأخوذة عن رواياته، إضافة إلى أصدقائه. وإنّ بيع حقوق عرض الندوات التي يحضرها الأدباء العالميّون سيدخل إلى الدولة ملايين الدولارات، فضلاً عن إحياء مشروع المزارات المحفوظيّة وتحويل الأحياء والمناطق التاريخيّة التي كتب عنها نجيب محفوظ في رواياته إلى مزارات سياحيّة. كما أنّ عدم اهتمام القائمين على الثقافة بتلك المشاريع يعكس غياب وعيهم على أهميّة نجيب محفوظ وقيمته".

x