نبض مصر

مصر وإعمار سوريا والعراق... المكاسب الاقتصاديّة والسياسيّة والمخاوف الأمنيّة

p
بقلم
بإختصار
تكثّف سوريا والعراق دعواتهما إلى المستثمرين الدوليّين للمشاركة في مشاريع إعادة إعمار الدولتين، وظهرت العديد من الشواهد على اعتزام مصر المشاركة في تلك المشاريع بكثافة، وسط طموحات في العديد من المكاسب الاقتصاديّة والسياسيّة وبعض التخوّفات من المخاطر الأمنيّة.

القاهرة - تكثيف النظام السوريّ جهوده لدعوة المستثمرين الوطنيّين والأجانب إلى الاستثمار في سوريا من خلال لقاءات مسئولين سوريين، خلال الشهور الخمس الماضية، بمستثمرين صينيين وهنود وروس ومصريين وعمانيين، وبالفعل يتسابق هؤلاء المستثمرين الأجانب وغيرهم من الإيرانيين والشركات الأوروبية على عمليّات إعادة الإعمار. وبالطبع، لن تكون مصر بعيدة عن خريطة إعادة إعمار سوريا وغيرها من البلدان مثل العراق، والشواهد على ذلك عديدة.

كان آخر تلك الشواهد عندما أعلن سفير العراق في القاهرة حبيب الصدر خلال حوار مع جريدة "الوفد" بـ2 أيلول/سبتمبر، أنّ مصر تشارك بقوّة في أعمال إعادة إعمار العراق.

وفي 1 أيلول/سبتمبر، أعلن الملحق التجاريّ للسفارة العراقيّة في القاهرة حيدر نوري عن 76 فرصة استثماريّة لرجال الأعمال المصريّين لإعادة تشغيل عدد من المصانع العراقيّة سواء أكان بنظام المشاركة أم التأهيل أم التطوير.

وسبقت التحرّكات على مستوى إعادة إعمار العراق تحركّات مصريّة عدّة لتعزيز مشاركة رجال الأعمال المصريّين والقطاع الخاص المصريّ في مشاريع إعادة إعمار سوريا، حيث استقبل نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجيّة والمغتربين السوريّ وليد المعلّم بـ17 آب/أغسطس وفداً من اتحاد الغرف التجاريّة المصريّة برئاسة رئيس الاتحاد أحمد الوكيل، وأشاد المعلم في تصريحات صحافيّة لوكالة الأنباء الرسميّة السوريّة "سانا" في اليوم نفسه، بالعلاقات بين الدولتين، قائلاً: "هناك رغبة صادقة لتعزيز العلاقات".

ولا يوجد أي حالة من الخلاف الظاهر بين مصر وسوريا في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن العلاقات بين مصر وسوريا ما زالت ذات تمثيل دبلوماسي منخفض منذ أن سحبت مصر سفيرها من دمشق في 19 فبراير 2012 بسبب تزايد أعمال العنف في سوريا واكتفت بوجود قائم بالأعمال، وردا على القرار المصري سحبت سوريا سفيرها من القاهرة في 23 فبراير 2012.

وقال أحمد الوكيل في تصريحات صحافيّة بـ20 آب/أغسطس: إنّ رجال الأعمال المصريّين حرصاء على المشاركة في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وتفاوتت تقديرات تكاليف إعادة الإعمار، إلا أنها بلغت التريليون دولار، بواقع 900 مليار لإعادة إعمار سوريا، بحسب تقديرات أحمد أبو الغيط، أمين جامعة الدول العربية، و100 مليار لإعادة إعمار العراق، بحسب تقديرات النسخة العربية من شبكة "سي إن بي سي" الاقتصادية، وهو ما يعني توفر فرص استثمارية ضخمة بأرباح طائلة.

وكانت زيارة الوكيل إلى سوريا بهدف افتتاح الجناح المصريّ في معرض دمشق الدوليّ، وحقّق الجناح المصريّ نجاحاً ملحوظاً في المعرض طيلة فترة عمله من 17 حتّى 27 آب/أغسطس.

وعلى المستوى الرسميّ، يذكر أنّ وزير التجارة والصناعة المصريّ طارق قابيل، التقى بوزير التجارة والتخطيط العراقيّ سلمان الجميلي في 24 آب/أغسطس، وناقشا كيفيّة تيسير التجارة بين الدولتين، واتفقا على انسياب حركة التجارة بين مصر والعراق من خلال الأردن والمعبر البري الرابط بينها وبين العراق بسبب تهديد بعض التنظيمات الإرهابية لطرق المطارات العراقية، كما اتفقا على تكثيف مشاركة مصر في معارض المنتجات في العراق ومناقشة كيفية إعطاء الأولوية للمنتج المصري في دخول العراق من خلال تخفيض الجمارك أو الضرائب عليه.

كما لم يستبعد طارق قابيل في تصريحات لوكالة أنباء "نوفستي" الروسيّة بـ18 كانون الأوّل/يناير، أن تكون هناك استثمارات مصريّة ضخمة في سوريا، بعد انتهاء الصراع، إذ قال: "بعد انتهاء الصراع كلّ شيء ممكن".

وتعليقاً على الجهود المصريّة في عمليّات إعادة إعمار العراق وسوريا، قال أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة فرج عبد الفتّاح لـ"المونيتور": "إنّ المشاركة المصريّة في إعادة إعمار سوريا والعراق هي أمر طبيعيّ، وهذا هو دور مصر تجاه الدول والشعوب العربيّة، والذي ينقسم إلى قسمين: الأوّل استثماريّ، وهو أن يؤسّس رجال الأعمال المصريّون استثمارات صناعيّة أو خدميّة جديدة في الدولتين. ولذلك، يفضّل أن يشارك المستثمرون المصريّون في المشاريع القادرة على تغذية السوق المصريّة بما تحتاج إليه من منتجات مستوردة من الدولتين بأسعار مخفّضة مثل بعض الأقطان من سوريا أو المشروعات التي توفر فرص عمل للمصريين أو التي تحتاج إلى منتج مصري لتنفيذها مثل الأسمنت الذي تصدره مصر بكثافة للعراق".

أضاف: "أمّا القسم الثاني فهو تجاريّ، إذ يستفيد المستثمرون المصريّون منه في فتح أسواق جديدة لصادراتهم في سوريا والعراق، معتمدين على الرواج الذي ستشهده السوقان السوريّة والعراقيّة من مشاريع إعادة الإعمار. ولن تتحقّق هذه المميّزات والاستفادات، إلاّ من خلال استراتيجيّة تتبنّاها الحكومة المصريّة، بالتنسيق مع المستثمرين السوريّين والعراقيّين والمصريّين والحكومتين السوريّة والعراقيّة للاستفادة من الاستثمارات المصريّة المرتقبة في سوريا والعراق والاستفادة من السوق المصريّة فيما يحتاج إليه كلّ من سوريا والعراق من منتجات لإعادة الإعمار".

أمّا رئيس مكتب التمثيل التجاريّ الأسبق في سوريا أنور الصهرجتي فقال لـ"المونيتور": "أغلق مكتب التمثيل التجاريّ بسبب المخاطر الأمنيّة التي كانت تهدده في سوريا، والأمر ليس بالبساطة التي تتحدّث عنه الحكومة ورجال الأعمال والخبراء الاقتصاديّون، فلا بدّ من دراسة مستفيضة للأوضاع الأمنيّة ومدى المخاطر الأمنيّة في المناطق التي سيستثمر فيها المصريّون في سوريا والعراق، لأنّ الصراع لم ينته بشكل كامل في الدولتين حتّى لو قلّت حدّته".

من جهته، قال رئيس المركز الوطنيّ للدراسات الأمنيّة خالد عكاشة لـ"المونيتور": "بالطبع، لا بدّ من دراسة الأوضاع الأمنيّة، لكنّ الأوضاع الأمنيّة في سوريا والعراق مبشّرة إلى حدّ كبير، وربّما يكتفى بالتحذير من الاستثمار في مناطق معيّنة ما زالت في بؤرة الصراع مثل الرقة وإدلب ودير الزور في سوريا أو العياضية وصلاح الدين في العراق. وحدوث بعض العمليّات الإرهابيّة في نطاق المناطق الاستثماريّة لا يعني بالضرورة فشل الأمن أو سيطرة الإرهاب، فهي حوادث طبيعيّة ربّما تحدث في أيّ بلد، والدليل نجاح معرض دمشق الدوليّ رغم تعرّضه لاعتداء يوم 20 أغسطس".

وخلف الاعتداء 6 قتلى بعد أن ألقت مجموعة مسلحة مجهولة قذيفة صاروخية على إحدى بوابات المعرض، ولم تعلن أي جماعة مسئوليتها عن الحادث.

وقال عضو اللجنة الشعبيّة المصريّة للتضامن مع سوريا فتحي أبو زيد لـ"المونيتور": "إنّ المشاركة المصريّة في معرض دمشق عكست أهميّة المنتج المصريّ بالنّسبة إلى السوق السوريّة، إذ أنّ الجناح المصريّ كان من أكثر الأجنحة نجاحا بين أجنحة 44 دولة أجنبيّة من بينها روسيا وإيران والصين، وزاره أكثر من 800 ألف زائر في اليوم الأوّل من افتتاح المعرض بسبب جودة المنتج وتنافسية سعره".

ويذكر أنّ المجلس التصديريّ للمفروشات المصريّة أعلن في بيان رسميّ بـ16 آب/أغسطس، أنّ العديد من المصدّرين المصريّين يعتزمون المشاركة في معرض بغداد الدوليّ في تشرين الأوّل/أكتوبر المقبل.

وفي ذلك السياق، قال رئيس المجلس سعيد أحمد لـ"المونيتور": "إنّ مصر تسعى إلى استعادة الأسواق التي فقدتها بسبب الحروب في المنطقة، فقبل عام 2003 بلغت صادرات مصر إلى العراق أكثر من ملياريّ دولار، بينما لا تتجاوز الصادرات المصريّة إلى العراق حاليّاً الـ 781 مليون دولار، وعمليّات إعادة الإعمار ونهضة تلك الأسواق مجدّداً هي الفرصة الأكبر لتستعيد مصر تلك الأسواق".

وبخلاف المكاسب الاقتصادية السابقة، يبدو أن المساعي المصرية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا والعراق والاستثمار بهما تأتي في سياق سياسة السيسي لتوسيع نفوذ مصر السياسي خارجيا كما فعل خلال جولته في إفريقيا خلال أغسطس 2017، وأسفرت عن إعفاء رجال الأعمال المصريين من تأشيرة دخول تشاد.

ديفيد عوض صحفي مصري بدأ حياته العملية كمتدرب في الأهرام الاقتصادي ثم انتقل ليكون معدا في راديو مباشر الاقتصادي، مهتم بقضايا الاقتصاد والإعلام والفنون.

x