نبض العراق

ديالى على حافة صراع إثنيّ وطائفيّ في العراق

p
بقلم
بإختصار
تعيش ديالى التي تحرّرت من تنظيم "داعش" صراعات قوميّة وطائفيّة وخلافات سياسيّة يمكن أن تتحوّل إلى صدامات عسكريّة في أيّ لحظة.

العراق – بغداد: دقّت لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقيّ بـ7 أيلول/سبتمبر من عام 2017 ناقوس الخطر من الأزمة السياسيّة التي تعصف بمحافظة ديالى الواقعة شمال شرق العاصمة بغداد وتمتدّ بحدودها إلى إيران، إلى الحدّ الذي حذّرت فيه من إمكانيّة عودة تنظيم "داعش" للسيطرة على بعض المناطق المحرّرة بسبب الصراعات القوميّة والطائفيّة والسياسيّة التي تعيشها المحافظة، التي يقدّر عدد سكّانها بنحو 1.27 مليون نسمة، حيث يشكّل العرب من السنّة والشيعة الأغلبيّة بنسبة متوازنة، ثمّ الأكراد والتركمان.

وعن دلالات الصراع القوميّ، اقتحم أكثر من 100 مسلّح من فصائل الحشد الشعبيّ ‏الأحد في 10‏ أيلول/سبتمبر من عام 2017 مبنى بلديّة مندلي في المحافظة، وأزالوا أعلام كردستان بالقوّة.

هذا التنوّع الطائفيّ والقوميّ في ديالى، "يجعلها في دوّامة صراع مستمرّ منذ عام 2003"، بحسب قول نائبها والمقرّر السابق للبرلمان العراقيّ محمّد الخالدي لـ"المونيتور"، الذي أشار أيضاً إلى أنّ "الموقع الجغرافيّ للمحافظة على الحدود مع إيران يزيد أيضاً من الاستقطاب السياسيّ فيها ويرجّح كفّة القوى الشيعيّة".

أضاف: "إنّ وقوع المحافظة في محاذاة إقليم كردستان يدعم النفوذ الكرديّ فيها، ويسعى إلى تعزيزه أيضاً، فيما يرى العرب السنّة أنفسهم أصحاب الحقّ في إدارة المحافظة لأنّهم يرون أنفسهم الأكثريّة فيها تاريخيّاً وإلى الآن". ويمكن رصد مفاعيل وجهة النظر السنيّة هذه في انتخابات عام 2005، التي أفرزت فوز القوى السنيّة لتشكيل مجلس المحافظة.

ولكن "لا بدّ من الرجوع إلى التاريخ القريب للمحافظة لفهم طبيعة الصراع"، وفق محمّد الخالدي، الذي أكّد أيضاً أنّ "المحافطة تحرّرت من تنظيم داعش في بداية عام 2015، حيث كان لفصائل الحشد الشعبيّ الشيعيّة دور كبير في ذلك، الأمر الذي كرّس تواجدها في المحافظة وعزّز من دورها السياسيّ"، وقال: "ما حدث بعد تحرير المحافظة لم يكن هو المطلوب، فبدل الاستقرار والأمن، فإنّ أعمال الخطف والقتل المتبادل لا تزال إلى الآن".

وأبرز أعمال الانتقام الطائفيّ التي قصدها الخالدي، تجسّدت في هجوم شنّه "داعش" مطلع سنة 2016 على مقهى بشمال شرقيّ بعقوبة - مركز محافظة ديالى يرتاده الشيعة، وخلّف عشرات القتلى، الأمر الذي دفع بفصائل شيعيّة مسلّحة إلى الردّ بحرق وتفجير عدد من المساجد ومداهمة الدور السكنيّة لأهالي السنّة في قضاء المقداديّة.

ويبدو أنّ النفوذ الشيعيّ هيمن على المدينة بصورة أكثر في مرحلة ما بعد "داعش"، بسبب النفوذ العسكريّ الواسع للفصائل الشيعيّة التي ساهمت في هزيمة التنظيم، وتجسّد بشكل جليّ في اقتحام مسلّحين مبنى المحافظة في 27 آب/أغسطس من عام 2017 لمنع إقالة المحافظ مثنى التميمي المنتمي إلى كتلة "بدر" الشيعيّة بزعامة القائد البارز في الحشد الشعبيّ هادي العامري، الذي ينحدر من ديالى نفسها.

هذا النفوذ تعتبره قوى سنيّة تصنّف ديالى كمدينة سنّية، محاولة لقلب المعادلة السياسيّة والطائفيّة، التي تقضي بأن يكون المنصب من نصيب المكوّن السنيّ في المحافظة، بل قال الكاتب هارون محمّد، وهو سنيّ وينحدر من ديالى، في 7 أيلول/سبتمر من عام 2017: "إنّ زعيم منظّمة بدر هادي العامري (شيعيّ) يعتبر حاكماً عامّاً لديالى".

وينسجم مع هذا الطرح، تقرير نشر في 12 آب/أغسطس من عام 2017 وتحدّث عن فصائل في الحشد الشعبيّ حوّلت قضاء المقداديّة إلى خراب. وشملت الاتهامات إحداث حرائق في البساتين، لتنفيذ مخطّطات التغيير الديموغرافيّ لصالح الشيعة.

وتحدّث النائب في البرلمان العراقيّ فرات التميمي عن كتلة الموطن (شيعيّة) لـ"المونيتور" عن "وضع مغاير لما تفيد به هذه التقارير والتصريحات"، معتبراً أنّ "ذلك في أغلبه مزاعم لا صحّة لها، تسعى إلى الفتنة وإحداث الفوضى الأمنيّة لصالح جهات سياسيّة غير مستفيدة من استقرار الأوضاع في ديالى"، وقال: "هناك معارك تشتعل بين الحين والآخر، مرجعها جيوب من عناصر داعش أو حواضن التنظيم، تعالجها القوّات الأمنية، لكنّ بعض السياسيّين ووسائل الإعلام يفبركها على أنّها عمليّات ضدّ السكّان السنّة".

وأكّد فرات التميمي "مغالطة أخرى تسوّق لها تلك الجهات تتعلّق بإدارة المحافظة"، وقال: "إنّ مجلس المحافظة هو من انتخب مثنى التميمي محافظاً. وبالتّالي، فإنّ تدخّل منظّمة بدر لصالحه هو لمنع الجهات التي تسعى إلى إقالته بالقوّة، خلافاً للأنظمة والقوانين". واعتبر أنّ "المحافظة تدار اليوم بالشراكة مع كلّ المكوّنات".

فضلاً عن ذلك، فإنّ مناطق في ديالى مثل خانقين ومندلي، تعيش على حافّة صراع قوميّ يمكن أن يسفر عن صدام مسلّح في أيّ لحظة بين الأكراد الذين يعتبرون هذه المناطق "كرديّة"، وبين عرب يرفضون انضمامها إلى استفتاء إقليم كردستان في 25 سبتمبر/أيلول المقبل، باعتبارها "عربيّة".

وإنّ الموقف الحكوميّ من الصراعات تجسّد في تصريح سعد الحديثي، وهو المتحدّث باسم مكتب رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي لـ"المونيتور"، إذ أكّد أنّ "التنافس السياسيّ في ديالى هو حالة مقبولة طالما بقي تحت مظلّة القانون"، وقال: "إنّ الحكومة تدعم سيادة القانون، ويتمّ التعامل مع الذين يتسبّبون في الفوضى الأمنيّة أو إلحاق الضرر بالسكّان، باعتبارهم خارجين على القانون، مهما كانت الجهة التي ينتمون إليها".

واعتبر سعد الحديثي أنّ "أيّ محاولة لضمّ منطقة متنازع عليها في ديالى إلى إقليم كردستان هي مخالفة للدستور والقانون، وأنّ الحكومة ستطبّق المادّة 140 الدستوريّة حال الانتهاء من القضاء على داعش وعودة الهدوء إلى المناطق المتنازع عليها".

وبين اختلاف الآراء في تقييم الوضع في ديالى ووجود فعليّ لا يمكن إنكاره بنسب مختلفة لكلّ المكوّنات القوميّة والطائفيّة، يبرز الدليل على اضطراب الوضع فيها في هجرة منظّمة دوليّة بـ7 أيلول/سبتمبر من عام 2017 من المحافظة، الأمر الذي يتطلّب جلوس الأطراف المتصارعة إلى طاولة الحوار وتجنيب المنطقة صراعات أمنيّة وسياسيّة تجعل من مرحلة ما بعد "داعش"، بعيدة عن مشاريع إعادة الإعمار وفرص الاستثمار.

وسيم باسم هو صحفي عراقي متخصص في متابعة الظواهر الاجتماعية من خلال التحقيقات والتقارير المنشورة في وسائل الإعلام المختلفة بما في ذلك الاسبوعية، باب نور وإيلاف.

x