نبض العراق

هل ينجح العراق في تطبيق خطّة أمنيّة لحماية آثاره؟

p
بقلم
بإختصار
يحاول العراق أن يحافظ على ما تبقّى من آثاره عبر تشكيل قوّة أمنيّة خاصّة لحماية الآثار في إحدى أكبر المحافظات العراقيّة، التي تضمّ معالم أثريّة.

مصطفى سعدون – بغداد: شكّلت محافظة ذي قار، التي تقع جنوب العراق في 7 آب/أغسطس، قوّة أمنيّة خاصّة لحماية الأماكن الأثريّة في المحافظة وآثارها باعتبارها إحدى أكثر المحافظات العراقيّة التي تضمّ معالم أثريّة يعود تاريخها إلى 7 آلاف سنة. وتسعى هذه القوّة، التي وصفها مسؤولون محليّون بـ"غير القادرة على حماية المناطق الأثريّة"، إلى تطبيق إجراءات أمنيّة مشدّدة للحدّ من عمليّات تهريب الآثار التي تحدث في المناطق ذات المعالم الأثريّة الكبيرة.

ولا تمتلك هذه القوّة، بحسب مسؤولين محليّين، التجهيزات والخطط والتدريبات التي تمكّنها من منع أيّ اعتداءات قد تتعرّض لها المعالم الأثريّة التي تقع في مناطق مساحاتها مفتوحة وغير محاطة بسياجات خارجيّة.

وتعتبر محافظة ذي قار من أكثر المحافظات العراقيّة التي تضمّ معالم أثريّة، ففيها بيت النبيّ إبراهيم، زقورة أور، المقبرة الملكيّة، ومعبد "دب لال ماخ" الذي يعتبر أقدم محكمة في التاريخ، ومعالم أخرى.

وبحسب رئيسة لجنة السياحة والآثار في مجلس محافظة ذي قار أجيال الموسوي، فإنّ المحافظة "تمتلك 1200 موقع أثريّ مهدّدة بالانقراض، نتيجة الإهمال والتعدّيات اللذين تتعرّض لهما".

وقالت أجيال الموسوي خلال مقابلة مع "المونيتور": "إنّ القوّة الأمنيّة المخصّصة لحماية آثار محافظة ذي قار غير قادرة على حمايتها، فـ1200 موقع أثريّ لا يمكن أن تحمى من قبل 155 رجل أمن، وبمعدّات وآليّات بسيطة".

وبدت الموسوي غير متفائلة بدور قوّة الحماية الخاصّة بالحفاظ على الآثار في محافظة ذي قار، بسبب ما قالت عنه: "ضعف التجهيز وغياب الخطط الكفيلة بتوفير الحماية للمعالم الأثريّة".

لا يهدف العراق فقط إلى حماية آثاره من السرقة، بل هناك خطوة تتعدّى ذلك، فهو يزيد من مساعيه لإدراج مواقع أثريّة جديدة في لائحة التراث العالميّ، بعدما أدرجت اليونسكو الأهوار العراقيّة بمحافظة ذي قار في تلك اللاّئحة.

وبحسب رئيس مجلس محافظة ذي قار حميد الغزي، فإنّ "هناك خطّة لحماية الآثار تشمل توقيع إتفاقات بين المحافظة والمحافظات الأخرى التي ترتبط معها بحدود جغرافيّة، بغية الحدّ من توسّع عمل العصابات التي تتاجر بالآثار العراقيّة".

ورغم أنّ محافظ ذي قار تحدّث عن خطّة واتّفاقات مع المحافظات الأخرى، إلاّ أنّ ثمّة محافظات لم تتّخذ أيّ إجراءات، وأخرى لم تعرف شيئاً عن الاتفاق الذي تحدّث عنه حميد الغزي.

وقال رئيس اللجنة الأمنيّة في مجلس محافظة ذي قار جبّار الموسوي خلال مقابلة مع "المونيتور": "إنّ القوّة التي شكّلت في المحافظة لحماية المواقع الأثريّة لن تكون قادرة على حمايتها، فحجم المواقع وأعدادها أكبر بكثير من عدد أفراد تلك القوّة".

عند زيارة أهمّ معلمين أثريّين في محافظة ذي قار، وهما زقورة أور وبيت النبيّ إبراهيم، لا يجد الزائر سوى نقطة تفتيش يقف فيها شرطيّ أو إثنان على الأكثر يدقّقان في أوراق المركبات التي تدخل إلى المدينة الأثريّة. وفي داخل المدينة، لا يوجد سوى حارس في عقده الخامس يحمي المعلمين ببندقيّة كلاشينكوف.

وفي هذا الإطار، قال ضايف محسن، الذي ورث حراسة زقورة أور عن أبيه وجدّه الذي كان حارسها الأوّل عندما اكتشفت في عام 1921، لـ"المونيتور": "في بعض الأحيان، يحاول البعض ليلاً العبور إلى الزقورة لسرقة الطابوق منها أو للبحث عن أشياء أخرى فيها، لكنّني أتمكّن من طرده لوحدي".

وفي هذا الصدد، قال خبير الآثار العراقيّ عامر الزبيدي في مقابلة مع "المونيتور": "هناك قوّة أمنيّة شكّلت في عام 2004 من قبل قوّات التحالف الدوليّ لحماية الآثار في محافظة ذي قار، وكان المواطنون العراقيّون وخبراء في هذا المجال يعاونونها، ولكن بكلّ تأكيد يبقى هناك تقصير في توفير الحماية الكاملة والحقيقيّة للآثار العراقيّة".

أضاف: "إنّ عمليّات سرقة الآثار تراجعت منذ تشكيل القوّة في عام 2004، لكنّها بقيت ولم تنته. وإضافة إلى ذلك، فإنّ الجهد المجتمعيّ يلعب دوراً كبيراً في التعاون مع الأجهزة الأمنيّة لحماية الآثار".

هناك خطّة دوليّة سيعلن عنها لاحقاً من قبل منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) لحماية الآثار العراقيّة، والتي سمّيت بخطة الاستجابة لحماية التراث الثقافيّ في العراق.

تحتاج المواقع الأثريّة المنتشرة في العراق إلى قوّات خاصّة لحمايتها، ضمن آليّات الحماية الحديثة، مثل الأقمار الصناعيّة والتدريب الحديث والخبرة في كشف الآثار المهرّبة، ومنظومة كاميرات المراقبة حول تلك المواقع.

ويبدو أنّ قضيّة حماية الآثار العراقيّة ليست من أولويّات الحكومة العراقيّة، فتشكيل القوّة وتجهيزها كانا قرارين محليّين في حكومة محافظة ذي قار، ولم يكن هناك أيّ قرار اتحاديّ موحّد في كلّ المحافظات التي تضمّ معالم أثريّة مهمّة.

إنّ عمل القوّة التي شكّلت في ذي قار لا يتعدّى الجولات الميدانيّة على المواقع الأثريّة. كما أنّها لم تستطع منع تجاوزات سابقة على المواقع الأثريّة، وهذا ما جعل أعضاء في الحكومة المحليّة بمحافظة ذي قار ينتقدونها.

إنّ المدينة التي ينتشر فيها السلاح خارج نطاق الدولة، ستبقى عرضة لعمليّات سرقة الآثار. وقد لا يستطيع الحارس الوحيد لزقورة أور وبيت النبيّ إبراهيم صدّ كلّ محاولات السرقة التي يتعرّض لها المعلمان الأثريّان.

والحال، إنّ تشكيل قوّة بعدد أفراد قليل، ومن دون تدريب وتجهيز حديث، لا يعدو كونه صورة شكليّة يراد من خلالها توفير الحماية لمعالم لا تقدّر بثمن، وقد تكون هذه القوّة في يوم ما، مبرّراً لعمليّات سرقة قد تحدث لاحقاً.

مصطفى سعدون هو صحفي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان. عمل مراسلاً في مجلس النواب العراقي.

x