نبض لبنان

تجميل حي فقير في بيروت مجرد تحسين في الشكل

p
بقلم
بإختصار
يُضفي مشروع فنّي في منطقة الأوزاعي في بيروت ألواناً على المكان، لكن المصممين المدينيين غير معجبين بما يعتبرونه مقاربة تبسيطية للمشكلات القانونية والاقتصادية المعقّدة التي تتخبط فيها المنطقة.

انبعثت الحياة في المنازل ومبانٍ أخرى في ناحية جنوبية فقيرة من نواحي بيروت على مقربة من المطار، وأصبحت نابضة بالألوان منذ عقدَ عياد ناصر العزم على إعادة رسم معالم الحي حيث ترعرع في طفولته. وقد كان ناصر، وهو مستثمر لبناني شارك في تأسيس شركة العقارات "لوفت إنفستمنتس"، موضع إشادة وانتقادات على السواء من خلال مشروعه "أوزفيل".

قال ناصر لموقع "المونيتور" خلال زيارة إلى منطقة الأوزاعي في 16 أيلول/سبتمبر الماضي، وهي منطقة يرتبط اسمها غالباً بالعنف والإجرام لكنها تضجّ الآن بحركة الفنّانين والأولاد الذين يرسمون على الجدران: "نهتم فقط بأصولنا وديانتنا وانتماءاتنا السياسية، لكننا لا نكترث لشوارعنا"، مضيفاً: "السياسيون والأشخاص الذين يفكّرون فقط في مصالحهم تخلّوا عن هذا المكان".

تابع ناصر: "أردت أن أساهم في تجميل لبنان وتوحيده، وفي التخلص من الصور النمطية عن الانقسامات الجغرافية في البلاد. أطلقت على المشروع اسم أوزفيل كي يبدأ الناس بالنظر إلى الأوزاعي بأنه مكان مهجور أطلقَ، بعد أشهر قليلة من العمل، تغييراً كبيراً في البلاد أصبح محور حديث الجميع. تلقّيت اتصالات من بلديات أخرى، مثل الشياح وبرج البراجنة، كي أعرض عليهم آلية المشروع".

يهدف مشروع ناصر أيضاً إلى تنظيف الشوارع. خطرت له الفكرة خلال أزمة النفايات في العام 2015. قال لموقع "المونيتور": "إنه فن الشارع من خلال النفايات. اعتاد الناس هنا على أن يقوم الآخرون بتنظيف شوارعهم، إذاً دفعتُ السكّان، عن طريق الفن، إلى تنظيف شوارعهم بأنفسهم، لأنه عليهم الاتّكال على أنفسهم فقط. لا يمكنهم الاتكال لا على حزبهم ولا على الله، عليهم الاتكال على أنفسهم فقط".

بلغت كلفة المشروع أكثر من مئة ألف دولار أميركي، دفعها عياد ناصر بنفسه. يعلّق ناصر: "سأل بعض الأشخاص، أليس من الأفضل تقديم الطعام مباشرةً إلى الفقراء؟ لكنني أعتقد أنه على الفقراء أن يتوقّفوا أولاً عن إنجاب عدد كبير من الأطفال. ليس من مسؤوليتي إطعام أولادهم؛ عليهم أن يتدبّروا أمورهم بأنفسهم".

سكّان الأوزاعي راضون في معظمهم عن المشروع. قال فؤاد، مالك أحد المتاجر المحلية، لموقع "المونيتور": "الجميع سعداء، والشوارع أصبحت أكثر نظافة. لم يكن بالإمكان القيام بالأمور بطريقة أفضل، لأن المال يزول، أما الرسوم واللوحات فتبقى". وعلّقت إشراق، وهي أيضاً من سكّان الأوزاعي: "الناس فقراء هنا. لا يمكنهم تجميل منازلهم على هذا النحو، وبالتالي هم مسرورون بالمظهر الجديد الذي تبدو عليه، لا سيما الأولاد منهم". وقد عبّرت فاطمة جابر، وهي من الأولاد الذين يساعدون الفنانتَين غرايس مشرفية وشيرين أبو خليل، عن حماستها لموقع "المونيتور" قائلة: "أحب أن آتي للمساعدة والرسم. أريد أن أصلح المنطقة ثم لبنان خطوةً خطوة، وحتى لو لم يكن بمقدوري أن أعطي الكثير، أفعل ما باستطاعتي. أريد أن يصبح لبنان مكاناً يرغب الجميع في رؤيته وزيارته".

على الرغم من هذه التعليقات الإيجابية، كشف مقال عبر موقع "ميدل إيست آي" أن هناك مَن ينتقدون المشروع، على غرار فاديا يارد التي تملك قطعة أرض في الأوزاعي يشغلها أشخاص بطريقة غير شرعية: "إنه يساهم في ترويج وضع غير شرعي؛ يجب أن يدرك الناس ذلك. حتى السيّاح يجب أن يعلموا أن لبنان ليس فقط متعة وحفلات – ثمة مشكلات حقيقية هنا".

مثلما تقول يارد، الأوزاعي منطقة مأهولة بطريقة غير شرعية. قالت منى فواز، أستاذة الدراسات الحضرية والتصميم المديني في الجامعة الأميركية في بيروت، لموقع "المونيتور": "كان شاطئ الأوزاعي محتلاً من منتجعات راقية ما أدّى إلى خصخصة هذه المنطقة العامة في الخمسينيات. ونحو الداخل، شُيِّد أيضاً عدد قليل من المنازل اعتباراً من الخمسينيات. كانت هذه المنازل عائدة لنازحين من الأرياف من ذوي الدخل المتدنّي ولحفنة ضئيلة من العائلات المحلية، وقد توسّعت إلى حد كبير في إطار ما يُسمّى ’المستوطنات غير الشرعية‘".

شُيِّد عدد كبير من منازل الطبقة العاملة بطريقة مخالِفة للتنظيمات المدينية و/أو الخاصة بالأملاك، ليس في منطقة الأوزاعي وحسب إنما أيضاً في مناطق أخرى في لبنان، لأنهم لم يستطيعوا شراء منازل أو استئجارها بطريقة أخرى، على حد تعبير فواز. خلال الحرب الأهلية، ازداد الوضع سوءاً، مع قدوم عائلات إلى المنطقة هرباً من العنف، وقيامها باحتلال الأراضي المتاحة لبناء منازل عليها.

في العام 2003، أنشئ مشروع "إليسار"، وهو عبارة عن خطة إنمائية لضواحي بيروت الجنوبية، وذلك من أجل الاعتراف بحقوق السكان في تلك المنطقة ومنحهم مساكن آمنة وقانونية. تقول فواز: "من خلال هذا المشروع، كان السيناريو الأمثل يقتضي نقل السكان بطريقة تتيح لهم الحصول على منازل آمنة ووظائف، في حين تُفتَح الواجهة البحرية أمام الاستعمال العام. لسوء الحظ، لم تُتَّخذ أي خطوات ملموسة بسبب غياب الإرادة السياسية لدى الحكومات المتعاقبة كافة التي لم تتعامل مع ذوي الدخل المتدنّي على أنهم مواطنون في الدولة، ولم تُشرِكهم في مشاريع إنمائية فعلية".

تعتبر الأستاذة الجامعية أن مشروع "أوزفيل" يحمل "طابعاً إيجابياً من خلال إلغائه للتفرقة والتمييز في المنطقة" وتغييره لصورة العنف التي انطبعت بها منطقة الأوزاعي، إلا أنها أعربت عن قلقها لأن شاطئ المدينة لا يزال ملكية خاصة. وقد علّقت في هذا الصدد لموقع "المونيتور": "أنا أعتبر، من موقعي كاختصاصية في التصميم المديني، أنه ثمة حاجة إلى شيء مختلف تماماً، ولا شك في أن كلفته تفوق مئة ألف دولار. كما أنه يقتضي المشاركة الفاعلة من السلطات المركزية والمحلية على السواء".

وفقاً للمهندسة المعمارية والاختصاصية في التصميم المديني عبير ساسو، التي هي جزء من "مجموعة ديكتافون" المتخصصة في الأبحاث والأداء، يعالج مشروع "أوزفيل" جانباً صغيراً جداً من مشكلة الأوزاعي في شكل عام، ومن التبسيطي توقُّع حل مشكلة مدينية معقّدة بواسطة مشروع تجميلي".

أضافت لموقع "المونيتور": "[المشروع] منفصل عن مشكلات أكبر مثل ميناء الصيّادين، والوصول إلى البحر، والبنى التحتية والفقر. كما أن الافتراض بأن الأشخاص لم يكونوا يهتمّون بمنطقتهم ينطوي على نوع من الاستعلاء. بما أنها مستوطنة غير نظامية، لم تكن هناك إدارة عامة لشؤون التنظيف أو جمع النفايات، ولذلك كانوا يتولّون هذه المسائل بأنفسهم".

يُجمع النقّاد على أن الأوزاعي تستحق أكثر من الرسوم، على غرار مشاريع للتنمية المستدامة تحتاج إلى مواكبة من المجتمع المحلي للحفاظ عليها وتطويرها. تقول ساسو: "من شأن مشاريع التنمية الاقتصادية أن تبثّ الحياة من جديد في المنطقة من دون الحاجة إلى تدفّق مستمر للأموال. ولماذا علينا تصوير الأمر بطريقة مختلفة ليبدأ الناس بتقبّله؟ ربما علينا تركيز السردية على تاريخ هذه المناطق، ودفع صنّاع السياسات إلى وضع خطة للتعامل مع المستوطنات غير النظامية".

وجد في : lebanese economy, lebanese society, beirut, economic development, sustainability, art, civil society, urbanism, street art

فلورانس ماسينا هي صحفيّة مقيمة في بيروت تكتب حول المسائل الاقتصاديّة، والثقافيّة والاجتماعيّة. درست العلوم السياسيّة والصّحافة في تولوز في جنوب فرنسا، وهي تسافر متنقّلة في المنطقة منذ العام 2010. تركّز ماسينا بشكل أساسي على التراث وقضايا المرأة، فضلاً عن تقديم أفكار إيجابية للبنان.

x