نبض لبنان

الهوية العربية في صلب معرض بيروت للفن

p
بقلم
بإختصار
في "معرض بيروت للفن" السنوي الثامن، أُطلِقت يد الفنانين المعاصرين لابتكار أعمال تستكشف مواضيع حسّاسة مثل الهوية العربية والسياسة والنزاعات.

تقع رائعة الكاتب اللبناني جبران خليل جبران "النبي" والفن الاحتجاجي العربي في صلب "معرض بيروت للفن"، وهو معرض دولي أقيم في دورته الثامنة من 21 إلى 24 أيلول/سبتمبر الجاري. وللمرة الأولى، تُنظَّم فعاليات موازية تحت اسم "معرض بيروت للتصميم".

لطالما اعتُبِرت بيروت إحدى عواصم الفن والتصميم في الشرق الأوسط، فضلاً عن كونها ملتقى للقيّمين على المعارض والفنانين والعاملين في المجال الثقافي وعشّاق الفنون من مختلف أنحاء العالم. لور دوتفيل، مؤسِّسة "معرض بيروت للفن"، هي من أعمدة المشهد الفني في لبنان. يسجّل عدد صالات العرض والفنانين المحليين والإقليميين والدوليين المشاركين في المعرض، زيادةً سنة تلو الأخرى؛ وقد بلغ عدد صالات العرض المشارِكة هذا العام 51 صالة من 23 بلداً.

جمعت الدورة الأولى من "معرض بيروت للفن" 44 مصمماً لبنانياً بعضهم في سن الشباب ومغمورون وبعضهم الآخر ذائع الصيت عالمياً. قال غيوم تاسل ديلياند، المؤسس المشارِك ومدير "معرض بيروت للتصميم"، لموقع "المونيتور" إن الهدف من الدورة الأولى للمعرض هو "إعادة تأكيد الدور الفريد لبيروت كمنصّة دولية للتصميم".

أضاف: "ترتدي بيروت أهمية بالغة، إنما ليس الجميع على علم بذلك. تستقطب فعاليات على غرار أسبوع بيروت للتصميم جمهوراً محلياً وإقليمياً، ودور المعارض هو الانتقال إلى المرحلة التالية، والتي تتمثّل في إنشاء منصة دولية". ولفت إلى أنه على النقيض مما يجري في معارض كثيرة حول العالم، لم يتم تحديد موضوع معيّن للفنانين المشاركين. وفي هذا الصدد، علّقت هلا مبارك، المؤسِّسة المشاركة لـ"معرض بيروت للتصميم"، لموقع "المونيتور": "من شأن ذلك أن يجعل الفنانين أسرى إطار معيّن، ونحن نريدهم أن يبدعوا بحرية تامة".

تضمّن "معرض بيروت للفن" تركيزاً على نقاط عدة. النقطة الأولى كانت الهوية القومية العربية من خلال معرض "العروبة، عين لبنان"، بإشراف الكاتبة والقيّمة اللبنانية-الإيرانية روز عيسى، والذي عُرِضت فيه أعمال تمت استعارتها من مجموعات خاصة وعامة في لبنان. وقد استكشف هذا المعرض، الذي اعتُبِر الجناح الأساسي في "معرض بيروت للفن" للعام 2017، مفهوم "العروبة" من خلال 62 تركيباً ومقطع فيديو ولوحة وصورة فوتوغرافية ومنحوتة وعملاً بخط اليد من توقيع 39 فناناً.

قالت دوتفيل لموقع "المونيتور": "لطالما رغبت في تنظيم معرض عن هذا الموضوع، لكن البلاد لم تكن جاهزة بعد"، مضيفة: "كما أنه يتعذّر إقامة مثل هذا المعرض في البلدان الأخرى في المنطقة لأن الرقابة سوف تمنعه. هنا، نجد فنانين احتجاجيين منخرطين سياسياً واجتماعياً في الأحداث الدائرة في المنطقة. في الوقت نفسه، نجد في لبنان هاوي جمع وفناناً في كل عائلة؛ الناس مطّلعون على الفنون. بالنسبة إلي، معرض بيروت للفن هو نوعّ من المنبر كي نفهم ونرى ونكتشف من خلال مقاربة مبتكرة للفن المعاصر والحديث الحاضر بقوة في المنطقة".

لا شك في أن لبنان هو من البلدان القليلة حيث يمكن عرض بورتريه للرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش محاطاً بالأحذية – في إشارة إلى الصحافي العراقي الذي رشق بوش بحذائه في العام 2008، أو حيث يمكن أن نجد صورة عن إضفاء الطابع التجاري على مكة.

عبد الرحمن قطناني هو من الفنانين الذي يعرضون أعمالهم في معرض "العروبة، عين لبنان"، وهو لاجئ فلسطيني مولود في لبنان. العمل الذي عرضه عبارة عن موجة مصنوعة من الأسلاك في تجسيدٍ لفكرة الحدود وتطوّرها عبر الزمن، وكيف تُستخدَم لطرد الأشخاص وإبقائهم خارجاً. قال قطناني لموقع "المونيتور": "أعمل دائماً من أجل قضية اللاجئين. الأشخاص الذين يهربون بحراً – اعتقاداً منهم أنهم سيحصلون على حياة أفضل وأكثر أماناً – يبتلعهم البحر. كنت أجسّد البحر والأمواج بطريقة رومنسية، أما الآن فقد تحوّل البحر إلى حدود تقف عائقاً بيننا وبين الحرية. إنه تعبيرٌ عن الاحتجاج على مختلف أشكال الحدود، سواءً كانت جغرافية أو نفسية".

اتّصلت دوتفيل بروز عيسى لتسليمها دفّة المشروع، وقد عملتا معاً على اختيار الأعمال المعروضة. المعيار الوحيد الذي فرضتاه هو أن يكون العمل قد أُنجِز خلال العقد المنصرم. تقول عيسى: "من الأفضل تسليط الضوء على نبض المنطقة. إنها فرصة جيدة أيضاً ليرى الأشخاص ماذا يصنع الفنانون في هذه الأيام، وماذا يجمع هواة الجمع".

ضرب المعرض وتراً حساساً جداً: الغضب والهموم التي تساور مختلف أجيال الفنانين الذين جرفتهم عاصفة التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المنطقة. تضيف عيسى: "ما نستخلصه من كل هذه الأعمال هو الحاجة إلى امتلاك هوية. لديهم الكثير ليقولوه، لا سيما في ما يتعلق بخيبة أملهم من العالم الذي نعيش فيه. نرى في الأعمال المعروضة مدناً أبيدت وتاريخاً مطموساً، ونقداً لاذعاً جداً للطغيان، ولاستخدام الدين سلاحاً حربياً. نرى، من خلال هذه الأعمال، ما نحن عليه في المنطقة؛ إنها تلامس الأشخاص وتمسّهم. يُبدي الجمهور إعجابه الشديد بشجاعة الفنانين وعزمهم".

نقطة التركيز الأخرى في "معرض بيروت للفن" هي كتاب "النبي" لجبران خليل جبران، الكتاب الأكثر قراءةً باللغة العربية، والذي تُرجِم إلى 50 لغة وبيعت منه عشرات ملايين النسخ في مختلف أنحاء العالم. يجمع هذا المعرض لأول مرة بين الصور والرسومات التي أنجزها جبران للطبعة الأولى من الكتاب باللغة الإنجليزية وبين تلك التي أنجزها الفنان الجزائري رشيد قريشي للطبعة الأخيرة من الكتاب. قدّم قريشي 49 رسماً لإعادة تفسير رسالة جبران بالخطَين العربي والصوفي.

قال قريشي لموقع "المونيتور": "خطرت لي الفكرة في تموز/يوليو 2016. وقعَ الهجوم في نيس، وكذلك مقتل الأب [جاك] هامل في النورماندي، وعلى المستوى الشخصي خضعت لعملية جراحية. كان شهراً سيئاً للغاية. قرأت كتاب النبي في صغري خلال حرب الجزائر، ثم قرأته من جديد في تلك الفترة. وقد تساءلت في نفسي: كيف يمكن أن يتحدّث أحدهم عن السلام والاحترام والإنسانية في حين أننا نعيش وسط بركان؟ ولماذا هناك مَن لا يحبّون السلام؟ لماذا لا يمكنهم تقبّل الآخر؟ ألا يكفينا أن حياتنا مكبّلة بقيود المرض والموت؛ فلماذا نسعى إلى التسبب بمزيد من الألم أو الموت للآخرين؟"

كان العمل على النص بمثابة علاج للفنان، لكنه ينظر إليه بأنه هدية من جبران ومنه إلى الآخرين، قائلاً: "نحتاج اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى إلى هذا الصوت، صوت السلام وفي شكل خاص صوت الحب".

وجد في : design, contemporary art, beirut, refugees, art, artists

فلورانس ماسينا هي صحفيّة مقيمة في بيروت تكتب حول المسائل الاقتصاديّة، والثقافيّة والاجتماعيّة. درست العلوم السياسيّة والصّحافة في تولوز في جنوب فرنسا، وهي تسافر متنقّلة في المنطقة منذ العام 2010. تركّز ماسينا بشكل أساسي على التراث وقضايا المرأة، فضلاً عن تقديم أفكار إيجابية للبنان.

x