نبض سوريا

الجماعات المتمرّدة تدرس خياراتها في شرق سوريا

p
بقلم
بإختصار
تدرس جماعات المعارضة المسلّحة من محافظة دير الزور السوريّة الشماليّة كيفيّة استعادة مدينتها من تنظيم الدولة الإسلاميّ قبل أن يفعل النظام السوريّ ذلك، من دون اضطرارها إلى التحالف مع القوّات الكرديّة.

أربيل، العراق – شهدت الديناميكيّات التي تؤثّر على الجماعات المعارضة المسلّحة المتحدّرة من محافظة دير الزور السوريّة الشماليّة الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلاميّة ("داعش") تغيّراً ملحوظاً في الأشهر القليلة الماضية.

ومع أنّ بعض الجماعات المنتشرة في شمال المحافطة وجنوبها تساعد المقاتلين الأكراد على استعادة سيطرتهم على الرقّة، إلا أنّ أكثريّتها تعارض بشدّة تدخّل قوّات سوريا الديمقراطيّة التي يقودها الأكراد في منطقتها. ولطالما اعتُبر اللجوء إلى القوّات المحليّة في المعركة من أجل استعادة محافظة سوريا الشماليّة أساسيّاً لتفادي الردود السلبيّة من السكّان العرب السنّة المحليّين والانتهاكات القائمة على الإثنيّة والاستيلاء على الأراضي.

وفي الصحراء الجنوبيّة، حقّق جيش أسود الشرقيّة مكاسب كبيرة في الأشهر الأولى من السنة، لكنّه خسر الكثير بعد أن تمكّن النظام والميليشيات الشيعيّة الأجنبيّة المدعومة من إيران من إيقافه ومنعه من التقدّم إلى المناطق الخاضعة لسيطرة "داعش".

وواجهت هذه الجماعة، المؤلّفة بشكل خاصّ من مقاتلين وقادة من دير الزور، صعوبة في التقدّم في الأسابيع القليلة الماضية، لكنّها تمكّنت من التقدّم إلى بعض المناطق مثل بئر محروثة في الجنوب، حيث أشيع أنّها استولت على دبّابة وأسلحة تابعة للنظام والقوّات الحليفة في الأوّل من آب/أغسطس بمساعدة جماعة معارضة محليّة هي قوّات الشهيد أحمد العبدو.

ويتلقّى جيش أسود الشرقيّة الدعم من غرفة العمليّات العسكريّة في عمّان، وقد ركّز في الأشهر الأخيرة على محاربة القوّات الحليفة للنظام بعد أن صبّ تركيزة لفترة طويلة على المعركة ضدّ "داعش".

ولدى المجموعة قوّات منتشرة بالقرب من قاعدة التنف العسكريّة، حيث تتمركز قوّات خاصّة أميركيّة إلى جانب قوّات بريطانيّة ونروجيّة تتولّى تدريب مقاتلي مغاوير الثورة، وهي جماعة أخرى من محافظة دير الزور.

وتقاتل مغاوير الثورة "داعش" بشكل حصريّ إلا إذا تعرّضت لهجوم من جماعات أخرى، كجزء من اتّفاقها مع البنتاغون مقابل الدعم الذي تتلقّاه منه.

وقال عضو سابق في فريق الاتّصالات في مغاوير الثورة لـ "المونيتور" في اجتماع في تركيا، طالباً عدم الكشف عن اسمه، إنّ زيادة قوّة البنتاغون وتراجع قوّة وكالة الاستخبارات الأميركيّة، كما أرادت إدارة ترامب منذ تولّيها الحكم في كانون الثاني/يناير، أدّيا إلى دعم أكبر لمغاوير الثورة ودعم أقلّ لجيش أسود الشرقيّة، على الرغم من أنّ هذا الأخير يسيطر على عدد أكبر من الأراضي. وأضاف أنّ هذا التوجّه مستمرّ على الأرجح.

ووافقه الرأي الناطق باسم جيش أسود الثورة، بدر الدين السلامة، الذي قال لـ "المونيتور" في مقابلة في جنوب تركيا في أواخر تموز/يوليو إنّ العلاقات بين جماعته ومغاوير الثورة "مرتبطة بالعلاقات بين وكالة الاستخبارات الأميركيّة والبنتاغون".

وأضاف: "حاربنا "داعش" بضع مرّات بالتعاون مع مغاوير الثورة، لكنّنا توقّفنا عند هذا الحدّ"، متابعاً: "لو كان لدينا دعم جويّ لاستطعنا فعل المزيد".

وقال السلامة: "يمكننا إرسال آلاف الرجال الإضافيّين" المتحدّرين من شرق سوريا لكي ينضمّوا إلى المعركة في جنوب سوريا إذا استطاعوا الحصول على الإذن اللازم من السلطات التركيّة والأردنيّة.

وأوضح أنّ الوسيلة الوحيدة لإدخال الرجال إلى الأردن ثمّ إلى سوريا عبر الحدود هي بتمكينهم من العبور إلى تركيا من شمال سوريا ثمّ الطيران إلى عمّان، وإلا فسيكون عليهم عبور أراضٍ خاضعة لسيطرة "داعش" أو النظام.

ويجد قسم صغير من جيش أسود الشرقيّة نفسه عالقاً منذ أشهر عدّة في منطقة محاصرة في القلمون بالقرب من الحدود اللبنانيّة.

وقال السلامة إنّ هناك "نحو 100 مقاتل" في تلك المنطقة، مضيفاً أنّ "الروس اقترحوا صفقة مصالحة" من المرجّح أن تتمّ الموافقة عليها.

في الوقت نفسه، انسحبت قوّات النخبة السوريّة، وهي جماعة متمركزة في المنطقة الشماليّة الخاضعة لسيطرة الأكراد ومؤلّفة أيضاً من عرب من دير الزور، من القتال إلى جانب قوّات سوريا الديمقراطيّة في الصفوف الأماميّة في الرقّة في تموز/يوليو. وفي كانون الأوّل/ديسمبر 2016، وصف العقيد جون دوريان هذه الجماعة بأنّها قوّة "مهمّة" عندما كان متحدّثاً باسم عمليّة العزم الصلب التي قادتها الولايات المتّحدة الأميركيّة.

وقال قائد المقاتلين، أبو صالح، لـ "المونيتور" في مقابلة في أربيل في مطلع آب/أغسطس إنّ قرار الانسحاب من المعركة من أجل الرقّة اتُّخذ بعد أن مارست قوّات سوريا الديمقراطيّة "ضغوطاً مستمرّة علينا من أجل الخضوع لسيطرتها المباشرة ومنعت وصول الإمدادات الضروريّة إلينا".

وأضاف أنّ قوّات سوريا الديمقراطيّة انسحبت جزئيّاً من المعارك مرّات متعدّدة، تاركة عدداً من مقاتليها مكشوفين.

يتحدّر أبو صالح من عشيرة الشعيطات التي انتفضت ضدّ "داعش" في المنطقة الغنيّة بالنفط الواقعة شمالي البلاد وتعرّضت لمجزرة كبيرة على يد "داعش" – قُتل فيها ما لا يقلّ عن ألف رجل أكثريّتهم من الشباب في غضون أيّام قليلة في آب/أغسطس 2014. وقبل ذلك، كان أبو صالح قائداً لجماعة مسلّحة محليّة تحارب ضدّ النظام.

وقال إنّ الرجال الألف الذين يقودهم حاليّاً انسحبوا إلى جنوب الحسكة. وهم لا يحاولون التقدّم، ولن يتقدّموا إلا بعد حصولهم على دعم مباشر من التحالف الدوليّ لا يمرّ عبر قوّات سوريا الديمقراطيّة. وأضاف أنّ حصول ذلك مستبعد قبل استعادة الرقّة، هذا إن تمّت استعادتها.

ويبقى قادة الجماعات المنتشرة في الشمال والجنوب على اتّصال بعضهم ببعض "على صعيد شخصيّ"، بحسب ما يقولون. وقد نوقشت لسنوات خطط تقضي بوضع الجماعات التي يتحدّر قادتها وعناصرها من دير الزور تحت مظلّة واحدة ضمن جماعة واحدة، لكنّ ذلك لم يتحقّق بعد.

وقال أبو صالح لـ "المونيتور" إنّه فقد التفاؤل الذي كان لديه قبل بضعة أشهر، مضيفاً أنّه يعتقد أنّ الخيار الوحيد أمام قوّات المعارضة لاستعادة دير الزور هو من الشمال، نظراً إلى الانتشار الواسع للميليشات المدعومة من إيران في الصحراء السوريّة جنوباً. ويتقدّم النظام أيضاً باتّجاه دير الزور من الشمال.

وقال أعضاء في جماعات متعدّدة من دير الزور وسكّان محليّون هربوا مؤخّراً من أراضٍ خاضعة لسيطرة "داعش" لـ "المونيتور" إنّهم يرفضون تدخّل الأكراد في المعركة من أجل استعادة المحافظة. وأشار بعضهم إلى أنّه يفضّل "القتال إلى جانب "داعش" على السماح للأكراد بدخول الأرض".

ويرى أبو صالح أنّ هذا الموقف لا يخدم الهدف المرجوّ، لكنّه يوافق على عدم السماح للأكراد بالمشاركة في المعركة، علماً أنّ التقدّم من الشمال يتطلّب استخدام أراضٍ خاضعة لسيطرة الأكراد أقلّه كمسرح للتحضير للعمليّة.

ومع أنّ بعض المحلّلين يتوقّعون نجاح النظام السوريّ المدعوم من روسيا والميليشات المدعومة من إيران في استعادة دير الزور، إلا أنّ الجماعات المسلّحة كلّها التي تحدّث إليها "المونيتور" والتي تتحدّر من تلك المحافظة تعارض الفكرة. ومن المرجّح أن تعارض الولايات المتّحدة وغيرها في التحالف الدوليّ ضدّ "داعش" خطّ الإمدادات المباشر من إيران عبر العراق وسوريا ولبنان إلى البحر الأبيض المتوسّط الذي قد ينجم عن ذلك.

وقد يكون دعم الجماعات المعارضة المحليّة، مثل جيش أسود الشرقيّة ومغاوير الثورة وقوّات النخبة السوريّة، الوسيلة الوحيدة لتفادي ذلك.

x