نبض العراق

عروض الأزياء ودارها في العراق أمام تحدّيات الأجندة المحافظة ونقص التمويل

p
بقلم
بإختصار
تستعيد عروض الأزياء العراقيّة نشاطها، وسط غياب الدعم الحكوميّ والتوجّهات المحافظة التي تعتبر فعاليّات الأزياء، تقليداً غربيّاً لا يناسب ثقافة الشعب العراقيّ.

العراق، بغداد- عزّزت الدار العراقيّة للأزياء حضورها على الساحة الثقافيّة، في العرض التاريخيّ للأزياء في 17 تمّوز/يوليو 2017، في احتفاليّة تحرير الموصل، بعد فترة انزواء عن المشهد الثقافيّ منذ عام 2003، بسبب الظروف الأمنيّة، إذ نهبت الدار في عام 2003، واضطرّت مديرته ومؤسّسته إلى التقاعد، والهجرة من العراق.

وتأسّست الدار العراقيّة للأزياء في عام 1970 بشخصيّة معنويّة واستقلال ماليّ، ثمّ صدر تشريع خاصّ بها باسم "قانون الدار العراقيّة للأزياء" في عام 1985، وفق قانون وزارة الثقافة والإعلام، لتنال دعماً حكوميّاً. وأثمر ذلك عن بناء قصر فخم لها في شارع فلسطين، والذي كان يعدّ من أجمل المعالم العمرانيّة في بغداد، وقد واجه الإهمال بعد عام 2003، بسبب الأحداث الأمنيّة والسياسيّة التي عصفت بالبلاد، حيث تحوّلت جدران الدار وممرّاتها وخزائنها إلى أنقاض وهياكل خاوية، فضاع جزء مهمّ من إنجازات الدار.

وفي بلد يكافح للتخلّص من آثار الحروب والمعارك ضدّ الإرهاب، ما زالت المخاوف تسود بين القائمين على فعاليّات عروض الأزياء، إذ قتل مجهولون في 4 تمّوز/يوليو 2017 عارض الأزياء كرار نوشي الذي كان له نشاط واسع في مجال عروض الأزياء.

ويؤكّد مدير الإنتاج الفنّيّ في الدار العراقيّة للأزياء سيف العبيدي لـ"المونيتور" أنّ "تعرّض القائمين على هذه الفعاليّة الثقافيّة والحضاريّة إلى التهديد لا يزال قائماً من قبل الذين يعتبرونها تقليداً غربيّاً، يمكنه إفساد المجتمع".

مقابل ذلك، يقرّ العبيدي بأنّ "هناك صعوبات كثيرة أمام تطوير عروض الأزياء، وأبرزها قلّة أعداد الفتيات العارضات بسبب تهديدهنّ من قبل جماعات محافظة، ومن قبل العشائر وأفراد الأسر المحافظة، الذين يعتبرون عروض الأزياء أمراً معيباً".

ومن الصعوبات الأخرى بحسب العبيدي، "الدعم الحكوميّ القليل، أو المعدوم في أكثر الأوقات، وعدم توافر التقنيّات الحديثة والمواد الأوّليّة، إضافة الى الدخل المحدود للعاملين في هذا المجال". ويضيف: "لهذا السبب، يقتصر النشاط الرئيسيّ اليوم على ما تقدّمه الدار العراقيّة للأزياء، إضافة إلى الجهود الشخصيّة لبعض المصمّمين".

وفي حين يشير العبيدي إلى "انحسار المشاركات الخارجيّة، بسب غياب الدعم"، يوضح أنّه "اضطرّ إلى الاعتماد على مجهوده الشخصيّ، للمشاركة في عرض للأزياء في مبنى الأمم المتّحدة في 10 تمّوز/يوليو 2017 في بغداد، لصالح أطفال مرضى السرطان، بنحو 28 قطعة أزياء، تعكس تاريخ العراق وفولكلوره وتراثه".

 وحول نشاط الدار، يقول العبيدي: "آخر إنتاجنا كان قطع أزياء تجسّد الثور المجنّح الذي هدمه أفراد تنظيم "داعش" في الموصل، وفستان الملكة شبعاد وفستان جداريّة الحرب والسلام من وحي التاريخ السومريّ، وكذلك فستان العربة الآشوريّة، كما أنجزت الدار، بدلة ملكيّة تاريخيّة تعود إلى العصور السومريّة في حزيران/يونيو 2017". وبحسب العبيدي، فإنّ المشروع المقبل هو " زيّ القيثارة المستوحى من القيثارة السومريّة".

 وبعيداً عن الدعم الحكوميّ، نجح المصمّم العراقيّ سنان كامل، للعام الثالث على التوالي، في إقامة "بغداد فاشن ويك" في 20 آذار/مارس 2017، تضمّن عروضاً لأزياء شارك فيها مصمّمون وعارضات محلّيّون، في فندق بابل وسط العاصمة بغداد، حيث أكّد كامل "المعاناة في صعوبة إيجاد فتيات يقمن بعرض الأزياء على الخشبة، لخشيتهنّ من العائلة أو العشيرة أو الوضع الأمنيّ".

غير أنّ مصمّم الأزياء صاحب المشاركات العالميّة ميلاد حامد تحدّث إلى "المونيتور" عن أنّ "عروض الأزياء التي تقدّم في العراق هي لأغراض ربحيّة"، مشيراً إلى "عدم وجود عارضين وعارضات محترفين، كما يفتقر العراق إلى سوق للتصاميم".

ويقترح حامد "تأسيس أكاديميّة أزياء عراقيّة، وفتح قسم دراسة الموضة في كلّيّة الفنون الجميلة ومعاهد الفنون في بغداد والمحافظات، والاستعانة بالخبرة الغربيّة، عبر استقدام أساتذة من خارج العراق لتخريج جيل أكاديميّ لإغناء الثقافة في السوق العراقيّة بعلوم وفنون وصناعة الأزياء والموضة".

كما يرى حامد "ضرورة وجود آليّة تدعمها الحكومة، تعزّز المشاريع المشتركة بين معامل صناعة الملابس والتجّار، لإيجاد منافذ تمويليّة للمصمّمين الذين يعانون من قلّة الدخل، وعدم القدرة على إيجاد تطبيق لتصاميمهم على أرض الواقع".

وأمام الصعوبات العديدة التي تواجه تطوير عروض الأزياء وصناعتها كمنتج ثقافيّ أوّلاً قبل أن يكون تجاريّاً، قال عضو لجنة الثقافة النيابيّة حيدر المولى لـ"المونيتور" إنّ "اللجنة تدرك أسباب تخلّف هذه الصناعة الثقافيّة وعدم وجود الدعم الكافي لها"، مرجعاً أسباب ذلك إلى "انشغال العراق طوال الفترة الماضية بالحرب على الإرهاب، ثمّ بالأزمة الماليّة".

وكشف المولى عن "سعي اللجنة إلى مشروع يمكّن القائمين على عروض الأزياء، من مصمّمين ومنظّمين، والدار العراقيّة للأزياء، من تطوير هذا الفنّ الذي يعدّ صناعة أيضاً، وإزالة الصعوبات المادّيّة، ويتضمّن ذلك فتح نقابة خاصّة تضمّ العاملين في قطاع الأزياء سواء الموظّفين في الدار العراقيّة، أم المصمّمين في القطاع الخاصّ، للدفاع عن حقوقهم وإيجاد فرص عمل لهم والدفاع عن الحقوق الفكريّة، في ما يتعلّق بالتصميم والإنتاج".

ويعتقد المولى أنّه "من واجب هذه النقابة أيضاً، إشاعة ثقافة الأزياء المنحسرة في العراق، وتبنّيها إعلاماً ينشر الوعي لأهميّة هذه الفعاليّة في صقل الذوق، وترسيخ الجمال، لكبح جماح المعارضة الاجتماعيّة، لا سيّما من قبل القوى المحافظة والعشائريّة لهذه الظاهرة الحضاريّة".

وأشار المولى إلى أنّ اللجنة "شرعت في تفعيل القوانين السابقة وتشريع نظم جديدة تدعم العاملين في هذا القطاع ماليّاً، وتدفعهم إلى الاستثمار المربح، وكذلك تحمي إنتاجهم في مجالي التصميم والإنتاج من السرقة، بعدما كثرت ظاهرة سرقة الحقوق الفكريّة والثقافيّة".

وأخيراً، هناك حاجة ثقافيّة واجتماعيّة قبل حاجة السوق، إلى إشاعة ثقافة الموضة والأزياء في بلد تتّسم حياته اليوميّة بالعنف، ويعاني من إرث حروب طويلة الأمد تركت آثارها السلبيّة على البشر والحجر.

وجد في : clans, islam, mosul, sumeria, cultural heritage, art, conservatives, fashion

وسيم باسم هو صحفي عراقي متخصص في متابعة الظواهر الاجتماعية من خلال التحقيقات والتقارير المنشورة في وسائل الإعلام المختلفة بما في ذلك الاسبوعية، باب نور وإيلاف.

x