نبض لبنان

خطط إعادة إحياء سكك الحديد المهجورة في لبنان تكتسب زخمًا

p
بقلم
بإختصار
في حين جرى تحويل بعض محطّات القطار في لبنان إلى ملاه ليليّة أو مواقع سياحيّة، من الممكن إعادة إحياء منظومة السّكة الحديديّة في البلاد عند انتهاء الحرب الأهليّة السّوريّة لتوفير الإمدادات للمدن كحمص ودمشق.

لم تشهد محطّات القطار في لبنان انطلاق أيّ قطار منذ تسعينيّات القرن الماضي، وجرى تحويل محطّة بيروت المركزيّة إلى ملهى ليلي في الهواء الطّلق عام 2014، مع إضافة مقصورة لمنسّق الموسيقى إلى قاطرة قديمة.

قال للمونيتور ألان حاصباني، أحد الشّركاء في ملهى "ترين ستيشن" مار مخايل، "عندما كنت صغيرًا، كانت أسرتي تخبرني قصصًا عن القطارات في بيروت، لذا قرّرت استئجار المحطّة وإعطاءها حياة جديدة".

كلّ ما قام به حاصباني كان إضافة منضدة للبار، وكراسٍ وطاولات إلى المكان. يعلو صخب الحفلات في اللّيل، لكن قلّة من المحتفلين تدرك أهميّة هذا الموقع التّاريخي الذي شكّل مركز سكك الحديد في الشّرق الأوسط في القرن التّاسع عشر.

سألت لارا خوري، وهي شابّة لبنانيّة تستمتع بالقدوم إلى المكان لاحتساء المشروبات، "تبدو عربات سكك الحديد القديمة هذه جميلة فعلاً، وهي تضفي لمسة صناعيّة إلى الحانة، لكن طبعًا هذا ليس إلا ديكورًا أليس كذلك؟"

وكما هو الحال مع لارا، يعتقد معظم مرتادي ملهى "ترين ستيشن" مار مخايل الآخرين أنّ عربات سكك الحديد ومسار القطار هي لغرض الديكور فحسب. فبشكل عام، لا يملك اللّبنانيّون معلومات كثيرة عن منظومة السكة الحديديّة السّابقة في بلادهم.

فيما كانت تضعف الامبراطوريّة العثمانيّة، حصل خبراء أجانب على امتيازات اقتصاديّة لتحديث بنية البلاد التّحتيّة. وبهذه الطّريقة قام ادموند دو برثويس، وهو أرستقراطي فرنسي وضابط سابق في البحريّة، ببناء خطّ سكّة حديد وتشغيله واصلاً دمشق ببيروت مع أوّل قطار انطلق في العام 1895. استغرقت الرّحلة أقلّ من تسع ساعات لقطع المسافة البالغة 147 كم التي تفصل بين المدينتين. وهذه كانت أيضًا أوّل رحلة بالقطار في المنطقة.

كتب الصّحفي روزويل راند في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز في العام 1916 أنّ "سكّة الحديد هذه ترتفع بشكل قاسٍ فوق سلسلة جبال لبنان الرّئيسيّة لدى القدوم من بيروت [...] وتكمل باتّجاه سلسلة لبنان الشّرقية إلى دمشق، وما زالت بحاجة إلى تجهيزات الجريدة والترس لأنّ تلك المدينة تعلو حوالي 2,000 قدم فوق سطح البحر".

وتصف شهادات وصور أخرى جمال الرحلة عبر حقول أشجار الزيتون وبساتين الفاكهة؛ وكان التّجار ينتظرون الرّكاب عند كلّ محطّة آملين بيع منتجاتهم المحليّة.

وفي وقت لاحق، جرى بناء خطّين آخرين: واحد في العام 1902 ربط بيروت بحمص في سوريا، والثاني في العام 1911 وصل طرابلس بحمص. وبحلول العام 1930، كانت قد رُبِطت أيضًا سكّة الحديد اللّبنانيّة بشبكة قطار الشّرق السّريع الشّهيرة؛ فكانت تصل عربات النوم الفاخرة من مدن في أوروبا إلى اسطنبول، وتنطلق ثلاث مرّات في الأسبوع نحو دمشق وبيروت.

ومع بداية الحرب العالميّة الثّانية، أخذ توسيع سكّة الحديد اللّبنانيّة منحى هامًا. فالحلفاء الذين كانوا بحاجة إلى نقل قوّاتهم في المنطقة بأسرع وقت ممكن، قاموا ببناء خطّ جديد على طول الشّاطئ ربط بين المدن السّاحليّة اللّبنانيّة ووصل إلى حيفا في فلسطين وحتّى مصر.

إلا أنّ مشروع سكّة الحديد لم يدم طويلاً فإقامة دولة إسرائيل في العام 1948 أدّت إلى إقفال الحدود اللّبنانيّة الجنوبيّة. وقصف الإسرائيليّون الجسر ونفق القطار بالقرب من الناقورة خوفًا من غزو عربي باستعمال الخطوط من الشّمال. وحتّى يومنا هذا، نجد في هذه المنطقة الخاضعة الآن لسيطرة الأمم المتّحدة، بقايا الجسر القديم المعلّق في الهواء فوق البحر.

وبعد أن أصبحت السّيّارات الخاصّة أكثر انتشارًا في ستّينيّات القرن الماضي، أصبحت القطارات أقلّ شعبيّة، فقد أدرك المسافرون أنّ الرّحلة في السيّارة غالبًا ما تكون أسرع بأربع مرّات مقارنة بالقطار، بخاصّة في حال الوجهات الجبليّة.

هذا وأتت الحرب الأهليّة اللّبنانيّة (1975-1990) كضربة أخيرة لمنظومة السّكّة الحديديّة في لبنان. ففي العام 1976، توقّفت جميع القطارات تقريبًا عن السّير. وقد أصيبت مسارات القطار بأضرار بالغة بسبب القتال، وتحوّل عدد كبير من المحطّات إلى قواعد عسكريّة.

يعيش الياس معلوف الذي نشأ في الاكوادور في بلدة رياق في البقاع الأوسط، ولم يكن يهمّه كثيرًا تاريخ لبنان أو قطاراته. وهو لم يطّلع على تاريخ منظومة السّكّة الحديديّة في لبنان إلا عندما كان يصوّر وثائقيًا حول انسحاب الجيش السّوري في العام 2005، الذي احتلّ لبنان منذ العام 1976.

وقد قال للمونيتور، "كنت أصوّر جنودًا سوريّين وهم يغادرون قاعدة عسكريّة تقع في محطّة القطار القديمة ببلدة رياق. رأيت أحدهم يحرق مستندات في عربة قديمة، فأسرعت مقتربًا منه، ورأيت أنّه يدمّر محفوظات عسكريّة. كان هناك إطلاق نار من حولي فاضررت إلى المغادرة، وطبعًا كان الأوان قد فات بعد عودتي. وليومنا هذا، أشعر بالذّنب ولقد قطعت عهدًا على نفسي بحماية تاريخ القطارات اللّبنانيّة".

في العام 2010، أنشأ معلوف منظّمة غير حكومية تدعى القطار/القطار، وهي تدعو إلى إعادة تأهيل بعض أجزاء شبكة السّكك الحديديّة اللّبنانيّة وإنشاء متحف للقطار في رياق.

تجدر الإشارة إلى أنّ انتهاء الحرب في سوريا المجاورة ستعني في أحد الأيّام أنّ الاقتصاد اللبناني سينتعش. وبحسب تقديرات البنك الدولي، ستكلّف جهود إعادة الإعمار 170 مليار دولار على أقلّ تقدير، ومن المتوقّع أن يشهد لبنان زيادة في حجم التّبادل التّجاري.

تعِدّ مدينة طرابلس الشّماليّة نفسها بالفعل لتصبح نقطة الدّخول الرّئيسيّة إلى سوريا. يشهد ميناء المدينة توسّعًا هائلاً ومن المتوقّع افتتاح منطقة اقتصاديّة خاصّة في المستقبل القريب. وتفسح الطّرقات القديمة المجال أمام طرق سريعة جديدة، ونسمع حديثًا جديًا عن إعادة تأهيل شبكة السّكك الحديديّة باتّجاه حمص.

منذ العام 2014، كان المشروع في يد مجلس الإنماء والإعمار الذي استلم جميع مشاريع البنية التّحتيّة اللّبنانيّة منذ نهاية الحرب الأهليّة.

وقال توفيق دبوسي، رئيس غرفة التّجارة في طرابلس، في مقابلة مع الصّحافة المحلّيّة، "هي مسألة أشهر. نحن نتحدّث في هذا الشّأن يوميًا". وأضاف أنّ المفاوضات جارية مع مستثمرين صينيّين محتملين.

بغض النظر عن متى ينتهي النزاع السّوري فعليًا، يؤكّد زياد نصر، رئيس مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، أنّ إعادة تأهيل خطّ القطار إلى حمص استحال أولويّة. وقال للصّحافة المحليّة إنّ "المشروع أعطي أولويّة قصوى. ونعتقد أنّه من المهمّ جدًا تنفيذ هذا الخطّ ليصبح جاهزًا".

وجد في : beirut, tripoli, homs, lebanese civil war, transport sector, civil society, trains, infrastructure

Chloe Domat is an award-winning multimedia journalist currently based in Beirut. She reports for various international media outlets including France 24, Ouest France, Global Finance and Middle East Eye. Domat has worked with LCI (TF1 Group Paris). She has a master's degree in political science from the American University of Beirut and studied journalism and international relations at Sciences Po Paris. She speaks English, French and Arabic.

x