نبض فلسطين

غزّة تستهلك 5 آلاف طنّ من الفلفل الحارّ سنويّاً

p
بقلم
بإختصار
منذ القدم، ارتبط الفلفل الحارّ بموائد أهل غزّة، حيث تحوّل إلى عادة مجتمعيّة، وإلى نوع من التباهي والتفاخر، لذلك يستهلكون كلّ ما يتمّ إنتاجه من الفلفل الحارّ، ويخزّنونه في بيوتهم طوال العام.

مدينة غزة، غزّة - لا تكاد تخلو مائدة طعام في قطاع غزّة من الفلفل بأنواعه الأخضر أو الأحمر المطحون أو الأصفر المخلّل، فقد نسبت عادة أكل الفلفل الحارّ إلى سكّان غزّة الأصليّين، وما زالوا يطلقون عليه "فُلفُل" بضمّ الفاء. 

ويطلب الناس في غزّة في المطاعم أو البيوت الفلفل ليكون المكوّن الرئيسيّ في الطعام، حيث يستهلك زهير شراب (52 عاماً) صاحب مطعم لبيع الفول والفلافل في مدينة خانيونس 30 كيلوغراماً من الفلفل الأخضر المطحون يوميّاً، ويقول لـ"المونيتور": "الناس يطلبون الفلفل بكثرة، قد لا تكفيهم خمس ملاعق على الصحن الواحد الصغير، لذلك نشتري الفلفل من المزارعين في شكل يوميّ".

قال مدير عام الإرشاد في وزراة الزراعة في غزّة نزار الوحيدي لـ"الموينتور": "تزرع غزّة ألف دونم من الفلفل الحارّ، وينتج الدونم الواحد 5 أطنان، وتزرع 313 دونماً من الفلفل الحلو، وينتج الدونم 8,5 أطنان، وبذلك مجموع ما تنتجه غزّة من الفلفل الحلو والحارّ هو 6500 طنّ سنويّاً، بواقع 5000 طنّ للفلفل الحارّ. وفترة زراعة الفلفل في غزّة هي بين شهري آذار/مارس وتمّوز/يوليو".

وحول تصدير الفلفل إلى الخارج، قال الوحيدي: "الفلفل الحارّ يستهلك كلّه في السوق المحلّيّ ولا يصدر منه شيء، أمّا الفلفل الحلو فيتمّ تصدير 50% من إنتاجه إلى الخارج عن طريق إسرائيل".

وبيّن الوحيدي أنّ زراعة الفلفل الحارّ والحلو مهمّة في تنمية الاقتصاد المحلّيّ في قطاع غزّة، فهو يحتاج إلى أيدٍ عاملة كثيرة".

ويشتري الحاج أبو محمّد السموني (68 عاماً) من سكّان حيّ الشجاعيّة في غزّة، وهو والد لعشرة من الأبناء والبنات، كلّ عام لبيته ما يقارب الـ40 كيلوغراماً من الفلفل الأحمر الحارّ، ويطحنه ويخزّنه، ويبيع في دكّانه الصغير يوميّاً زجاجات الفلفل الحارّ المطحون.

ويعلّق السموني على كثرة تناول الناس للفلفل، قائلاً لـ"المونيتور": "كثيرون من أهل غزّة يعانون من الحموضة الزائدة والمزاج العصبيّ نتيجة أكل الفلفل بشراهة، وأنا منذ كنت طفلاً، آكل الفلفل الحارّ بالخبز مع زيت الزيتون كطبق منفصل في المائدة، نحن نتباهى بأكله، هكذا جرت العادة".

وللفلفل الحارّ فوائد صحّيّة، فهو يحتوي على كمّيّات عالية من فيتامين C، ومركّب "بيتا كاروتين" الذي يتحوّل في الجسم إلى فيتامين A حسب الحاجة، ويوفّر الفلفل الحارّ فيتامينات B، الحديد، المغنيسيوم، والبوتاسيوم، ومفيد لاضطرابات الجهاز الهضميّ، ويخفّف أعراض الصداع النصفيّ، ومهمّ للأوعية والشرايين الدمويّة.

ويرى أستاذ العلوم الاجتماعيّة والإرشاد الأسريّ في جامعة القدس المفتوحة في غزّة عاطف العسولي أنّ ارتباط أهل غزّة بالفلفل تحوّل إلى عادة، والعادة مفهومها في علم الاجتماع أنّها فعل يعتاد عليه الناس، وسلوك يتكرّر، ويصبح هذا السلوك تقليداً يرتبط بالمجتمع.

ويقول العسولي لـ"المونيتور": "الفلفل موجود طوال السنة في غزّة، سواء يخزّنه الناس أو يأكلونه طازجاً، وحين يذهب الناس إلى المطاعم، لا يطلبون الفلفل، فمن الطبيعيّ أن يكون على المائدة، بل يطلبون زيادة في الفلفل".

ويضيف العسولي: "الناس في غزّة يرون في أكل الفلفل شيئاً من التباهي والتفاخر، حيث أنّ أكثرهم أكلاً للفلفل هم أكثرهم جذباً للانتباه بين الحاضرين على المائدة".

ويسارع الناس في غزّة إلى تخزين الفلفل، إمّا بطحن الأحمر أو وضع الأصفر في برطمانات مع الماء والملح ليبقى حاضراً طوال العام، ويزرعون فلفل الشطة الحارّ الملوّن في بيوتهم، إمّا للزينة أم للأكل.

يبحث رامي البريم (33 عاماً)، وهو صاحب مشتل زراعيّ في شرق مدينة خانيونس دائماً عن أشتال الفلفل الجديدة شديدة الحرارة كفلفل الشطّة الصغير والملوّن، وفلفل التشيلي الأحمر الطويل، نظراً إلى إقبال الزبائن من المواطنين على اقتناء أشتاله وزراعتها في البيت.

ويقول البريم لـ"المونيتور": "الزبائن يرغبون في أشتال الفلفل الغريبة والحارّة لزراعتها في البيت، حتّى النساء يأتين ليشترين منّي هذه الأشتال المقبلة من إسرائيل على شكل قرون ناشفة، نحن نزرع بذورها هنا".

ونتيجة لارتفاع سعر الفلفل الحلو المعروف في غزّة بـ"الفليفلة" على الفلفل الحارّ، حيث يصل سعر الكيلوغرام من الفلفل الحلو إلى دولار ونصف أحياناً، مقارنة بربع دولار للفلفل الحارّ، توجّه المزارع عمر صيدم (39 عاماً) في جنوب مدينة رفح إلى زراعة الفلفل الحلو، على الرغم من الصعوبات التي تواجهه كقلّة المياه وملوحتها.

ويقول صيدم لـ"المونيتور": "الفلفل الحلو أصعب في زراعته من الفلفل الحارّ، ولكنّه أكثر ربحاً، فنحن ننتظر شتلته حتّى تنمو بلونها الأخضر، ثمّ تتحوّل إلى الأصفر ثمّ البرتقاليّ فالأحمر، وأكثرها سعراً هو الأصفر وأقلّها سعراً هو الأحمر".

رغبة الغزّيّين في الفلفل يظهرها حجم الاستهلاك، حيث يستهلكون كلّ ما تتمّ زراعته، إلّا أنّ صعوبات كثيرة تواجه زراعة الفلفل في الوقت الحاليّ، أهمّها انقطاع التيّار الكهربائيّ الذي يمنع وصول الماء إلى المزروعات، حيث يسهر المزارعون حتّى ساعات متأخّرة ليلاً في انتظار الكهرباء لريّ زراعتهم، وتلبية حاجة السوق المحلّيّ منه.

وحول الصعوبات التي تواجه زراعة الفلفل الحارّ في غزّة، يقول المزارع سلمان الأسطل (62 عاماً) في غرب مدينة خانيونس لـ"المونيتور": "الإنتاج لهذا العام أقلّ من الأعوام الأخرى، لأنّ الفلفل الحارّ يتأثّر بملوحة المياه وقلّتها في شكل كبير، في ظلّ أزمة مياه يعيشها قطاع غزّة. ومع انقطاع التيّار الكهربائيّ، تقلّ ساعات ريّ الأشتال فيقلّ معها الإنتاج، وأنا أبقى هنا في انتظار الكهرباء حتّى الفجر أحياناً لتشغيل موتور الماء لريّ الفلفل".

وطالب الأسطل وزراة الزراعة التدخّل في شكل عاجل لحلّ إشكاليّة توفير المياه والتيّار الكهربائيّ للمزارعين في مواصي خانيونس ورفح، وهي المناطق الأكثر ملائمة لزراعة الفلفل الحارّ بسبب خصوبة التربة.

كاتب وصحفي فلسطيني منذ 8 سنوات، مختص في القضايا العامة، عمل في العديد من وسائل الإعلام الفلسطينية والأجنبية، حاصل على درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية، شارك في كتاب عن "الأسرى الفلسطينيين" نشر بعدة لغاتأعد مجموعة كبيرة من المقابلات الصحفية والتوثيقية مع مجموعة من صناع القرار والقادة الفلسطينيين، وأنجز مجموعة من التحقيقات الصحفية الاستقصائية.

x