نبض مصر

ماذا تحتاج مصر لتطوير سككها الحديديّة؟

p
بقلم
بإختصار
أدّى حادث تصادم قطارين في الإسكندريّة إلى سقوط عشرات القتلى والضحايا، وطرح تساؤلات حول مدى كفاءة وسيلة نقل ينظر إليها الكثيرون باعتبارها الأكثر أماناً والأقلّ تكلفة.

القاهرة: ظهيرة يوم الجمعة في 11 آب/أغسطس، وقع حادث مروّع في مدينة الإسكندريّة، أودى بحياة 42 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، وأدّى إلى إصابة 133 شخصاً، عندما اصطدم قطاران ببعضهما البعض في القرب من محطّة خورشيد شرق الإسكندرية على خطّ القاهرة-الإسكندريّة، بحسب بيان وزارة الصحّة.

أشارت التقارير الأوّليّة للحادث نقلتها صحيفة المصري اليوم عن مصادر لم تسمّها، إلى أنّ سبب وقوعه يعود إلى خطأ في البلوكات والتحاويل، حيث اصطدم قطار قادم من القاهرة بمؤخّرة قطار آخر كان متوقّفاً بسبب تعطّله في شكل مفاجئ، ممّا أدّى إلى تحطّم عدد من العربات. فيما أدان التقرير المبدئي لهيئة السكك الحديدية سائقي القطارين وحملهما مسئولية الحادث.

واتّخذت الحكومة إجراءات عدّة شملت حبس سائقي القطارين ومساعديهما 15 يوماً على ذمّة التحقيقات، وأمرت النيابة بأخذ عينات بول ودم من سائق القطار الذي اصطدم بالآخر للكشف عما إذا كان يتعاطى مواد مخدرة، وأمر النائب العام المستشار نبيل صادق بالتحفظ على الصندوقين الأسودين للقطار وتشكيل لجنة هندسية وعسكرية للوقوف على أسباب الحادث. كما أعلنت وزارة النقل، 13 أغسطس، استقالة اللواء مدحت شوشه من منصبه كرئيس لهيئة السكك الحديديّة، وأوكلت بالمنصب في اليوم التالي إلى المهندس سيّد سالم الذي كان يشغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة لقطاع السلامة والجودة.

وفي يوم الحادث نفسه، قال نائب وزير الماليّة في تصريحات صحافيّة، 11 أغسطس، إنّ هيئة السكك الحديديّة تحتاج إلى موارد ضخمة للإصلاح، مشيراً إلى أنّ أوضاع السكك الحديديّة في مصر تفوق قدرات الموازنة العامّة للدولة وإمكاناتها.

يستخدم الملايين من المصريين شبكة السكك الحديدية كل عام، والتي تشكل حلقة الربط الرئيسية بين مختلف أنحاء البلاد. وتعتبر السكك الحديدية أكثر أمنا وأقل تكلفة من وسائل النقل الأخرى في مصر، خاصة وأن حوادث السيارات على الطرق الصحراوية والطرق السريعة تحدث كل يوم تقريبًا.

تعاني خطوط سكك الحديد المتهالكة من الإهمال الذي أدّى إلى تكرار حوداث مشابهة، في عام 2012 قُتل 52 تلميذًا وأصيب 13 آخرون في حادث اصطدام قطار بحافلة مدرسية في منفلوط بأسيوط. وأشار إحصاء رسميّ أعدّته هيئة السكك الحديديّة والجهاز المركزيّ للتعبئة العامّة والإحصاء إلى أنّ إجمالي عدد حوادث القطارات منذ عام 2006 حتى عام 2016 بلغ 12 ألف و236 حادثاً.

ومن بين هذه الأرقام عائلات وأفراد فقدوا أبناءهم وأحبّاءهم، يرون أنّ المسؤول الأوّل عن هذه الحوادث هو إهمال الدولة المتراكم، الذي تسبّب في قتل أقاربهم، إذ يقول سليمان حسن الذي فقد ابنا عمومته الاثنان عائلتيهما في الحادث الأخير: "الإهمال الحكوميّ أزهق الأرواح".

يروي حسن لـ"المونيتور" أنّ "أبناء عمومته الشقيقين سعيد وسيّد عوض فقدا تقريباً أسرتيهما بالكامل في الحادث، حيث فقد سعيد زوجته وأطفاله الثلاثة، فيما فقد شقيقه طفلتيه"، إضافة إلى فرد آخر من العائلة ما زال مفقوداً.

يقول حسن: "تلقّى سعيد مكالمة هاتفيّة من عائلته قبل اقترابها من المحطّة، حضّر إفطاراً لها وتوجّه إلى اصطحابها، وفي طريقه إليها، صدمه خبر الحادث". يتابع حسن: "في البداية، لم يجد لأفراد أسرته أثراً في موقع التصادم، فتوجّه إلى المشرحة وحال رؤيته جثث زوجته وأطفاله، أصيب بالإغماء". يردّد سعيد جملة واحدة منذ الحادث وهي: "أريد زوجتي وأطفالي"، بحسب ما رواه حسن لـ"المونيتور".

وعلى الرغم من ذلك، يقول مساعد وزير النقل عمرو عبد السلام لـ"المونيتور" إنّ هناك خططاً ومشاريع حكوميّة لتطوير السكك الحديديّة بعضها قائم بالفعل والبعض الآخر جارٍ استكماله، مشيراً إلى أنّ تكلفة هذه الخطط تقدّر بـ45 مليار جنيه (2,523 مليار دولار تقريبًا) لتطوير عدد من خطوط السكة الحديد ومخطّط تنفيذها بين عامي 2017 و2020".

وأوضح أنّ هذه الخطط "تشمل تجديد القضبان وتطوير نظام الإشارات الميكانيكيّة لتحويلها إلى إشارات كهربائيّة وشراء جرّارات وعربات جديدة وقطع غيار وتطوير بعض المحطّات، فضلاً عن الاستعانة بشركات أجنبيّة، في ما يخصّ الصيانة والورش التابعة إلى الهيئة".

لكن بحسب ما يقوله الخبير والاستشاريّ في السكك الحديديّة عماد نبيل فإنّ خطوط السكك الحديديّة في مصر لم تشهد أيّ عمليّات تطوير جذريّة منذ ثمانينات القرن الماضي، إذ يوضح نبيل لـ"المونيتور" أنّ "كلّ المحاولات التي تمّت كانت مجرّد مسكّنات موضعيّة لتدارك المشكلة الآنيّة، من دون جهود حقيقيّة لإحداث تطوير كامل، والسبب الرئيسيّ للتهالك الذي أصاب المنظومة على مدار السنوات الماضية هو سوء الإدارة ومشاكل الحصول على تمويل".

وتابع: " قطاع السكّة الحديديّة من القطاعات المكلفة ماديّاً، ويكّلف تطوير خطّ واحد نحو مليون دولار للكيلو الواحد، وهذا رقم ضخم يصعب أن تتحمّله دولة تعاني من أزمات اقتصاديّة".

ويرى نبيل أنّ العلاج هو من خلال التعاون مع شركات أجنبيّة من دول مثل ألمانيا وفرنسا وأميركا، حيث يقول: "نحن في حاجة إلى أفكار غير تقليديّة تحرّرنا من الاعتماد على ميزانيّة الدولة المتهالكة، لذا منح شركات أجنبيّة عقود انتفاع مثلما حدث مع فرنسا في مشروع مترو الأنفاق في ثمانينات القرن الماضي، هو حلّ يمكن تطبيقه على قطاع سكّة الحديد، بحيث تطوّر الشركة الأجنبيّة الخدمة وتنتفع منها لمدّة تتراوح بين 5 و15 عاماً، ومن ثمّ تعيدها إلى الحكومة".

ويضيف نبيل أنّ القروض الأجنبيّة ليست حلّاً في الوقت الحاليّ، ويقول: "لسنا في حاجة إلى مزيد من القروض، فيمكن للقطاع أن يستفيد من المساحات الشاسعة المملوكة منه في إنشاء مشاريع استثماريّة يعود مردودها لصالح التطوير، كما يمكن تأجير المحطّات، وذلك بدلاً من أن تلجأ الدولة إلى رفع سعر التذكرة، حيث أنّ البعد الاجتماعيّ لا يسمح بذلك". وكانت الحكومة قد رفعت في يوليو 2015 سعر تذاكر القطارات المكيّفة بزيادة قدرها 20 جنيهًا للدرجة الأولى و10 جنيهات للدرجة الثانية. وتزيد التخوفات لدى المواطنين من زيادة جديدة بعد تحريك الحكومة لأسعار المواد البترولية والمحروقات في يونيه الماضي.

ويؤيّد الأستاذ في هندسة السكّة والنقل في جامعة الأزهر في القاهرة الدكتور ابراهيم مبروك الاقتراح السابق ويقول لـ"المونيتور": "يبلغ طول السكك الحديديّة 9200 كيلومتر، هل يعقل أن تملك هيئة مساحات كهذه من دون الاستعانة بها في مشاريع استثماريّة أو إنشاء مراكز تجاريّة لاستغلالها لصالحها"؟

ويرى مبروك أنّ استمرار اعتماد السكك الحديديّة على العنصر البشريّ هو ما يتسبّب في تكرار الحوادث على مدى السنوات الماضية، ويضيف: "لا بدّ من مكننة النظام والتخلّص من العامل البشريّ وتحويل المنظومة بأكملها إلى نظام يعمل على الكمبيوتر".

ويتابع: "ما تفتقده الهيئة هو وجود رؤية واضحة وتخطيط استراتيجيّ وخطّة زمنيّة لتطوير سككها الحديديّة، كما يجب أن تعقد الهيئة اجتماعات دوريّة لمسؤولين وأكاديميّين ومهنيّين وخبراء لبحث سبل التطوير، ونظام إداريّ قويّ وصيانة وتجديد وإحلال للوحدات القديمة وتحديث ورش الصيانة وتدريب العاملين في الهيئة، بمن فيهم رئيس الهيئة، فضلاً عن تفعيل العقوبات لردع المخطئين".

وتنقل القطارات ملايين الركّاب سنويّاً، وتعتبر الرابط الأساسيّ بين أنحاء شتّى من البلاد، وينظر إليها باعتبارها أقل تكلفة وأكثر أماناً مقارنة بالسيارات والحافلات على الطرق السريعة والصحراوية التي تشهد حوادث شبه يومية.

وأشار وزير النقل هشام عرفات في تصريحات تلفزيونيّة، 13 أغسطس، إلى أهميّة تفعيل دور القطاع الخاصّ للنهوض بمنظومة السكك الحديديّة. مؤكدًا أن ميزانية الدولة لن تتحمل وحدها عمليات التطوير، وأوضح عرفات أن إسهام القطاع الخاص لا يعني خصخصة القطاع المملوك للدولة. ويؤيّد مبروك ذلك، حيث يقول لـ"المونيتور": "تملك اليابان سككاً حديديّة حكوميّة فضلاً عن 12 شركة أخرى مملوكة من القطاع الخاصّ. وسيسمح إشراك القطاع الخاصّ في عمليّة التطوير في تحسين مستوى الخدمة وسيكون لدينا خطّ حكوميّ وخطوط أخرى متميّزة، وستقوم الشركات الأجنبيّة بإنشاء خطوط جديدة ومزلقانات جديدة".

وتعتبر سكك حديد مصر من أقدم السكك الحديديّة في العالم بعد بريطانيا. وأنشأ أوّل خط عام 1851 وربط بين القاهرة والإسكندرية، وأشرف على مشروع إنشاء السكك الحديدية آنذاك المهندس الإنجليزي روبرت ستيفنسن. وفي مسعاها للتطوير، وقعت الحكومة في 17 يونيه من العام الجاري اتفاقية مع شركة "جنرال إلكتريك" الأمريكية بقيمة تبلغ 575 مليون دولار تشمل توريد قاطرات وإجراء صيانة تمتد لـ 15 عامًا. فهل تلجأ مصر إلى الشراكات الأجنبيّة والقطاع الخاص لتحسين خدماتها السككيّة للحدّ من الحوادث المتكرّرة التي تخلّف سنويّاً مئات الضحايا؟

Fatma Lotfi is an Egyptian journalist and translator based in Cairo. With an interest in political, economic and humanitarian issues. She writes and translates for local media outlets such as Zahma.com and is a part of the Egypt Media Development Program.

x