نبض مصر

بعد قرار مجلس القضاء الأعلى المصريّ منع إذاعة وقائع الجلسات... لا محاكم في هذه المدينة!

p
بقلم
بإختصار
أثار قرار مجلس القضاء الأعلى المصريّ منع بثّ كلّ جلسات المحاكمات إعلاميّاً وإذاعتها، الكثير من الجدل في الأوساط القانونيّة والحقوقيّة، وفتح باب النقاش على مصراعيه حول ما إذا كان القرار مطابقاً للقانون أو مخالفاً له.

القاهرة: أثار قرار مجلس القضاء الأعلى المصريّ رقم 1308 المنشور في 14 آب/ أغسطس لمنع بثّ كلّ جلسات المحاكمات إعلاميّاً وإذاعتها، الكثير من الجدل في الأوساط الإعلامية والقانونيّة والحقوقيّة. واعتبره البعض وسيلة لحجب ما يدور في المحاكمات عن المواطنين، فضلاً عن كونه محطّة محوريّة على طريق التضييق على الصحافييّن المتخصّصين في الشأن القضائيّ المصريّ.

وفي التطبيق الأوّل للقرار، حيث لم يمرّ على نشره يوم واحد فقط، منع رئيس محكمة جنايات القاهرة المستشار حسن فريد المصوّرين الصحافيّين من حضور جلسة محاكمة 20 متّهماً في القضيّة رقم 239/2015، والمتهمين فيها بالانضمام لخليّة إرهابيّة بمحافظة مرسى مطروح تتبع فرع تنظيم "داعش ليبيا"، واشتراك عدد منهم فى واقعة ذبح الـ21 مصريًا في ليبيا، تنفيذاً للقرار السابق.

وصف المحامي الحقوقيّ مختار منير القرار بـ"المجحف" تماماً، وأضاف في اتّصال هاتفيّ مع "المونيتور" أنّه يتنافى مع المبدأ الراسخ لعلانية جلسات المحاكم، مشيراً إلى أنّ المحكمة الإداريّة العليا في مجلس الدولة أصدرت حكماً في عام 2010 يقضي بإعطاء سلطة منع إذاعة الجلسات إلى هيئة المحكمة ذاتها وليس إلى مجلس القضاء الأعلى، وبذلك فإنّ القرار تخطّى هذا الحكم النهائيّ، كأنّه لم يكن، وكأنّه لا حجّيّة لأحكام القضاء.

وأوضح منير الذي يعمل في مؤسّسة حريّة الفكر والتعبير، أنّ علانية الجلسات تعني حقّ أيّ مواطن في حضور جلسات المحاكمات، لكنّ الواقع يقول إنّ كلّ قضايا الرأي العامّ تعقد في مقرّات شرطيّة لا يجوز للجمهور الدخول إليها إلّا بتصريح خاصّ.

جميع قضايا الرأى العام وقضايا الإرهاب تعقد حالياً في مقرات شرطيّة، والمحاكم العادية يمكن للأفراد الدخول إليها بشكل أيسر لكن ممنوع التصوير أيضاً.

وأشار منير إلى أنّ قانون الإجراءات الجنائيّة قد نصّ صراحة على أنّ الأصل في الجلسات هو العلانية، حيث أّنّ المادة 268 توضح وجوب علانية الجلسات، إلّا في حالات استثنائيّة تحدّدها المحكمة ذاتها، "ولا يحق لمجلس القضاء الأعلى إصدار قراراً مطلقاً بمنع تصوير الجلسات".

وفي 13 آب/ أغسطس الماضي، تقدّم مجلس القضاء الأعلى ببلاغ إلى النائب العامّ ضدّ المسؤولين في موقع المصريّون وموقع الأمّة الاقتصاديّ، للتحقيق معهم في اتّهامهم بنشر أخبار كاذبة تتعلّق بالسلطة القضائيّة، تضمّنت نشر مرتّبات القضاة.

عن هذا، يقول منير إنّ النظام الحاليّ في مصر يعتبر أيّ جهاز حكوميّ كبير هو جهة سياديّة، وبالتالي لا يجوز تناول أخباره لمساسه بالأمن القوميّ المصريّ، متسائلاً بدهشة: "هل نشر مرتّبات القضاة يؤثّر على الأمن القوميّ"؟! فهو يؤكّد أنّ هذه النوعيّة من الأخبار ليست لها علاقة بالأمن القوميّ سواء من قريب أم من بعيد.

"المشكلة أنّ وزارة العدل ليس لها مكتب إعلامي" يقول منير، ممّا يصعّب مهام الصحافييّن المتابعين للشأن القضائيّ، بخلاف التضييق العامّ على الصحافييّن في الآونة الأخيرة.

تختلف رؤية قاضي في محكمة الاستئناف المصريّة رفض الإفصاح عن اسمه عن رؤية منير، حيث يرى أنّ القرار لا يتعارض مع مبدأ علانية الجلسات، فإتاحة حضور الصحافييّن الجلسات يحقّق مبدأ العلانية، ومنع التصوير لا ينفي المبدأ، حسب قوله.

ويضيف القاضي في حديثه إلى "المونيتور" الذي تحفّظ على نشر اسمه، حتى لا يتعرض للتضييق عليه، أنّ القرار صدر للحفاظ على حقوق المتّهمين والقضاة أيضاً، حيث يمكن أن يؤدّي تصوير القضاة إلى استهدافهم في ما بعد، كما أنّ ضبّاط الأمن الوطنيّ معرّضون إلى اغتيالات حال التعرّف على هويّتهم، كونهم شهود الإثبات الرئيسييّن في غالبيّة قضايا الإرهاب.

وأكّد أنّ المنع لم يشمل كلّ وسائل الإعلام، إنّما فقط الوسائل المرئيّة منها، فيما يُسمح للصحافييّن بالحضور لكن من دون وجود أيّ نوع من آلات التصوير معهم، مشيراً إلى أنّ القرار جاء بعدما انتشرت أخبار غير دقيقة عن مرتبات القضاة على بعض الصحف، مما يؤثّر على هيبة القضاة والقضاء ككلّ.

أكّد الباحث في وحدة القانون والمجتمع في الجامعة الأميركيّة في القاهرة مصطفى شعت لـ"المونيتور" أنّ هناك حساسية شديدة لدى القضاة في شأن تصوير الجلسات، خصوصاً في ما يتعلّق بقضايا الإرهاب، لأنّ أوضاع المتّهمين داخل الأقفاص الزجاجيّة والصعوبات اللوجيستيّة "مثل صعوبة التواصل مع المحامين، صعوبة متابعة الجلسة، سوء جودة صوت القاضي الواصل إليهم" التي يواجهونها نظراً لانعقاد المحاكمات في مقرّات شرطيّة، يمكن أن يكون فيها إخلال بإجراءات الدعوى الجنائيّة، وهو ما لا تحبّذ معه إذاعة تلك الجلسات.

وأشار شعت في حديث هاتفيّ مطوّل مع "المونيتور" إلى أنّ معظم قضايا الإرهاب مسيّسة، فهناك وقائع عدّة كشفت عن عقيدة قضاة ونقلتها كاميرات المصوّرين،"الترجمة صحيحة هنا" فالتصوير هنا يعتبر توثيقاً للمخالفات وهو ما لا يرغبون فيه بالطبع، مؤكّداً أنّ هناك نفوراً شديداً من جانب القضاة من مبدأ علانية الجلسات لأنه أضرّ بهم كثيراً، كما أنّ له علاقة مباشرة بصورة المحكمة والقضاة.

وأصدرت العديد من الجهات القضائيّة قرارات عدّة بمنع التحدّث إلى وسائل الإعلام ومنع التدوين على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، فالمستشار نبيل صادق النائب العام، أصدر قراراً في 10 أيّار/مايو 2016 يحظّر فيه على الأعضاء إبداء الآراء السياسيّة على مواقع التواصل الاجتماعيّ، أو الإدلاء بتصريحات إلى وسائل الإعلام، كما أصدرت النيابة الإداريّة تعليمات حديثة إلى أعضائها، في 16 آب/أغسطس، بعدم التحدّث إلى وسائل الإعلام أثناء إجراء المعاينات وعدم الإدلاء بتصريحات صحافيّة في شكل عامّ.

عن هذا، يقول شعت إنّ توالي تلك الكتب الدوريّة والتعليمات التي تحظّر التحدّث إلى وسائل الإعلام، يؤكّد بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ هناك تضييقاً رسميًّاً على عمل الصحافيّين، مؤكّداً أنّ قرار منع التصوير يتعارض مع مبدأ علانية الجلسات، والهدف الرئيسيّ منه هو التغطية على الأخطاء التي تحدث من القضاة أثناء الجلسات، ممّا يؤثّر على صورتهم الذهنيّة لدى المواطنين.

ويرى شعت أنّ الصحافيّ المتخصّص في الشأن القضائيّ، ربّما تكون مهمّته أصعب من غيره، وظهر ذلك في مواضع عدّة، منها عند نشر أخبار مخالفة للبيانات الصادرة من الجهات القضائيّة، أو إذا تناول مرتّبات القضاة، ومؤخراً في 8 أيّار/ مايو الماضي تم اتهام صحافي بجريدة الفجر بـ"خدش رونق القضاء"، وهي القضية التي اتّهم فيها بخدش الرونق العامّ للقضاء، عن طريق نشر مواد تنال من هيبة المؤسسّة القضائيّة.

"الوضع الحاليّ يتيح للصحافيّين حضور الجلسات من دون تصوير، وحتّى طريقة صياغتهم للأخبار يمكن أن تعرّضهم إلى الملاحقة القضائيّة"، يقول شعت. ولا ينفي أنّ الصحافيّين القضائيّين في شكل خاصّ، تكون مهامهم معقّدة أكثر، فإضافة إلى الأعباء التي تقع على كاهل الصحافيّين، فهم يتحمّلون أعباء إضافيّة تتعلّق بالتضييق المستمرّ عليهم في الحصول على المعلومات، فضلاً عن التهديد المستمرّ بالملاحقة القضائيّة التي تعتبر بمثابة عبء إضافيّ عليهم.

x