نبض مصر

ارتفاع أسعار الحديد وفرض رسوم إغراق يثيران العديد من التساؤلات

p
بقلم
بإختصار
بلغت تداعيات قرار وزارة التجارة والصناعة المصريّة بفرض رسوم إغراق على الحديد المستورد مداها بارتفاع سعر الحديد المحليّ إلى أعلى مستوى في تاريخه، وتتمثل أبرز التساؤلات في مدى ارتباط القرار بأيّ دوافع سياسيّة ضدّ تركيا أو لصالح رجال أعمال محتكرين لسوق الحديد، ومدى نجاح القرار في دعم الصناعة المحليّة وكيفيّة السيطرة على الأسعار بالتوازي مع دعم الصناعة.

القاهرة: لا يختلف الخبراء على أنّ دعم الصناعة الوطنيّة ضروريّ، خصوصاً إذا تعارض مع الاستيراد بأسعار أقلّ، إلاّ أنّ فاتورة دعم الصناعة الوطنيّة لحديد التسليح تكبّد المصريّين مبالغ ضخمة، في وقت تدهورت فيه حالتهم بفعل برنامج الإصلاح الاقتصاديّ وسياسة تحرير سعر صرف الجنيه المصريّ، الأمر الذي أدّى إلى ارتفاع معدّل التضخّم لأعلى مستوى في تاريخ مصر، حتّى بات العديد يتساءل ما إذا كان قرار الحكومة المصريّة بفرض رسوم إغراق على الحديد المستورد، في 6 يونيو 2017، ضروريّاً حتّى لو أدّى إلى ارتفاع أسعار الحديد لأعلى مستوى لها في تاريخ تلك الصناعة.

في 15 آب/أغسطس من عام 2017 تراوح سعر حديد التسليح في المصانع المصريّة ما بين 11 ألف و500 جنيه و12 ألف جنيه للطنّ، بعد أن واصل ارتفاعه تدريجيّاً منذ حزيران/يونيو من عام 2017، عندما أصدرت وزارة التجارة والصناعة قرارها بفرض رسوم إغراق في السوق على استيراد الحديد من تركيا والصين وأوكرانيا لمدّة 4 أشهر، ورسوم الإغراق هي قيمة ماليّة تدفع إلى الدولة نظير السماح باستيراد سلعة من الخارج إذا كانت متوافرة بين الصناعات المحليّة، إذ أنّ استيراد السلعة من الخارج بأسعار أقلّ يضرّ بتلك الصناعة الوطنيّة.

وتراوح سعر طن حديد التسليح قبل قرار فرض رسوم الإغراق ما بين 9400 إلى 9900 جنيه، وبذلك تكون ارتفعت قيمته بنسبة 22%، على أقل تقدير، خلال ما يقرب من شهرين من صدور القرار، وتطبق رسوم الإغراق بواقع 17% على الحديد الصيني المستورد، ومن 10% إلى 19% على الحديد التركي، بحسب النوع، وومن 15 إلى 27% على الحديد الأوكراني.

وسبقت قرار الحكومة المصريّة مطالبات برلمانيّة مُلحّة في 22 نيسان/إبريل من عام 2017 - تزعّمها النائب حسين أبو جاد عضو مجلس النواب وعضو لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان - بحظر استيراد الحديد من تركيا بشكل تامّ وإلغاء اتفاقيّة التجارة الحرّة معها.

وتجدر الإشارة إلى أنّ حسين أبو جاد، وهو صاحب مطالبات حظر استيراد الحديد، ينتمي إلى حزب "مستقبل وطن" ومموّله الرئيسيّ هو أحمد أبو هشيمة رئيس مجلس إدارة ومالك مصنع "حديد المصريّين" أحد أكبر مصانع حديد التسليح في مصر.

وهي المطالبات التي قابلها وزير الصناعة والتجارة طارق قابيل في تصريحات صحافيّة بـ1 حزيران/يونيو من عام 2017 بالرفض، إذ أشار إلى "أنّ اتفاقيّة التجارة الحرّة مع تركيا تصبّ في صالح مصر"، متجاهلاً مطالبات حظر استيراد الحديد. ولذلك، بدا قراره بفرض رسوم الإغراق عقب تجاهل المطالبات مفاجئاً، خصوصاً أنّه يناقض اتفاقيّة التجارة الحرّة التي تنصّ في مادّتها الثانية على "إزالة القيود والمعوقات الخاصّة بتجارة السلع".

وعلّق مصدر مطّلع في وزارة التجارة والصناعة، فضّل عدم ذكر اسمه، لـ"المونيتور" قائلاً: "إنّ مصر ما زالت ملتزمة بإجراءات اتفاقيّة التجارة الحرّة ورسوم الإغراق لفترة موقّتة، وإنّ قرارات تحرير سعر الصرف أربكت مصانع الحديد بسبب ارتفاع ثمن استيراد الخامات اللاّزمة للصناعة من الخارج، وبالتّالي فتلك المصانع تحتاج إلى خفض المنافسة الأجنبيّة حتّى يستقرّ وضعها الماليّ وتستطيع منافسة المنتج المستورد من جديد".

وردّاً على سؤال عمّا إذا كانت وزارة التجارة قد خضعت لأيّ ضغوط من رجال الأعمال أصحاب مصانع حديد التسليح، قال: "تلقّينا مطالبات وناقشناها، لكنّنا لم نتعرّض لضغوط ولا نحابي مصالح رجال الأعمال على حساب المواطن، لكنّ المواطن المتضرّر من ارتفاع أسعار الحديد عليه أن يعي أنّ المستوردين يحصلون من تركيا والصين وأوكرانيا على أسعار مخفّضة للحديد لأنّ المصنّعين في تلك الدول يعلمون أنّ مصر دولة تصنّع الحديد محليّاً بكثافة، ولو انهارت الصناعة المحليّة بفعل تأثير المنتج المستورد، فسترفع المصانع الأجنبيّة المورّدة للحديد أسعاره عند تصديره إلى مصر. وباختصار، يمكننا القول إنّ بقاء صناعة الحديد المصريّة هو الضمان لاستمرار انخفاض سعر الحديد المستورد".

وعن تأثير الخلافات السياسيّة مع تركيا على اتّخاذ قرار فرض رسوم إغراق على استيراد الحديد منها، قال: "لا علاقة للخلافات السياسيّة بالقرار أو بعلاقتنا الاقتصاديّة مع تركيا، وهو أمر واضح في قرارات الدولتين، والدليل إعلان مصر عن نيّتها، في يناير 2017، استقبال مليارات الاستثمارات التركيّة وارتفاع حصيلة صادرات مصر إلى تركيا. كما أنّ القرار ليس موجّهاً ضدّ تركيا وحدها، بل شمل الحديد الصينيّ والأوكرانيّ أيضاً".

لا يتأثّر المواطن بارتفاع أسعار الحديد بشكل مباشر، بل يؤثّر ارتفاعه على أسعار المساكن بصفته أحد الموادّ الأساسيّة للبناء، إذ قال رئيس شعبة موادّ البناء في اتّحاد الغرف التجاريّة أحمد الزيني لـ"المونيتور": "إنّ ارتفاع أسعار الحديد سيؤدّي إلى ارتفاع أسعار المساكن بنسبة تتراوح بين 25 في المئة و50 في المئة. وأرى أنّ قرار رسوم الإغراق لم يؤت ثماره لأنّه لم يدعم الصناعة الوطنيّة، فارتفاع سعر طنّ الحديد من 4 آلاف و700 جنيه إلى 12 ألف جنيه سيؤدّي إلى تعطّل العديد من مشاريع البناء والعقارات وركود مصانع الحديد".

وعلى النقيض، قال وكيل لجنة الصناعة في البرلمان محمّد محيي الدين زكريّا لـ"المونيتور": "إنّ ارتفاع أسعار الحديد طبيعيّ، في ظلّ ارتفاع أسعار خامات الصناعة المستوردة بسبب قرار تحرير سعر الصرف. وعلى المواطن أن يتحمّل أعباء المرحلة الاقتصاديّة الصعبة لأنّها أفضل من إغلاق مصانع الحديد وتشريد آلاف العمّال، خصوصاً أنّ انهيار المصانع سيجبر مصر على استيراد الحديد بأيّ سعر، وأنّ السعر المتدني الذي يبيع به بعض الدول مثل تركيا في السوق المصريّة غير منطقي وهدفه القضاء على صناعة الحديد المصريّ واحتكار السوق المصريّة لحسابها".

أمّا رئيس المنتدى المصريّ للدراسات الاقتصاديّة والاستراتيجيّة رشاد عبده فرفض في حديثه لـ"المونيتور" الربط بين ارتفاع أسعار الحديد ورسوم الإغراق، وقال: "إنّ صناعة الحديد تسيطر عليها شبكة من المحتكرين، وكان على الحكومة المصريّة فرض رقابة على الأسواق، بالتزامن مع قرار فرض رسوم الإغراق. أمّا قرار الرسوم في حدّ ذاته فهو مهمّ لدعم الصناعة المحليّة، والقصور في غياب الرقابة عن المحتكرين".

من جهته، قال أستاذ الاقتصاد والماليّة العامّة في كليّة الحقوق بجامعة المنصورة عبد الناصر محمّد لـ"المونيتور": "على الحكومة أن تثبت حسن نيّتها بإلغاء قرار رسوم الإغراق لأنّه لا يصبّ إلاّ في مصلحة مجموعة من المحتكرين".

ويبدو أنّ الوقت هو الذي سيثبت النوايا الحقيقيّة للدولة من قرارها سواء أكانت سياسيّة ضدّ تركيا أم لصالح المحتكرين أم لصالح الصناعة الوطنيّة. كما سيظهر نتائج القرار، وما إذا كان الارتفاع موقّتاً إلى حين استقرار حالة مصانع الحديد أو فرض رقابة على السوق أو استمرار الممارسات الاحتكاريّة في سوق الحديد.

ديفيد عوض صحفي مصري بدأ حياته العملية كمتدرب في الأهرام الاقتصادي ثم انتقل ليكون معدا في راديو مباشر الاقتصادي، مهتم بقضايا الاقتصاد والإعلام والفنون.

x