نبض الخليج

عدن.. من مدينة للتعايش الى مرتع للتطرف

p
بقلم
بإختصار
مثلت مدينة عدن عبر تاريخها الحديث نموذجاً فريداً للتعايش والتسامح إذ هي المدينة اليمنية الوحيدة التي تضم تركيبتها السكانية مواطنين من شتى الأعراق والمناطق والأديان. لكن هذا التاريخ يخضع لامتحان عسير هذه الآونة, ولم يكن على المحك في يوم ما مثلما هو عليه الآن.

صنعاء - مثلت مدينة عدن عبر تاريخها الحديث نموذجاً فريداً للتعايش والتسامح إذ هي المدينة اليمنية الوحيدة التي تضم تركيبتها السكانية مواطنين من شتى الأعراق والمناطق والأديان. لكن هذا التاريخ يخضع لامتحان عسير هذه الآونة, ولم يكن على المحك في يوم ما مثلما هو عليه الآن.

فمنذ طرد قوات الجماعة الحوثية والرئيس السابق علي عبدالله صالح من المدينة في يوليو 2015 بعد ثلاثة أشهر ونصف من القتال الدامي مع قوات موالية للرئيس عبدربه منصور هادي مدعومة بقوات تابعة للتحالف العربي, أخذت سمة الانفتاح التي ميزت عدن تتقلص تدريجياً لصالح جماعات متطرفة ظهرت بعد الحرب مثل تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية، السلفيين، وتنظيم القاعدة.

في 15 مايو/أيار الماضي اطلق مسلح مجهول النار على راس الشاب امجد عبدالرحمن 21 عام وهو ناشط شبابي معروف وارداه قتيلا على الفور بداخل مقهى انترنت في مديرية الشيخ عثمان.

وقال صديق مقرب من امجد اشترط عدم ذكر اسمه خوفا على حياته للمونيتور: إن امجد كان قد تعرض للتهديد من عناصر سلفيين اتهموه بالإلحاد قالوا له ان حياته في خطر مالم يعلن التوبة.

كان امجد عضوا في ناد ثقافي يسمى "الناصية" انشأة مثقفون وعلمانيون في 2016 ويناقش امور مثل "الدين وحقوق المرأة" وهذا بالنسبة للجماعات المتشددة من المحظورات.

بعد ان تم اغتياله اعترض مسلحون على متن سيارات عسكرية تابعة لمتشدد سلفي يدعى إمام النوبي قائد معسكر امني يسمى "اللواء "20 جنازه أمجد ومنعوا دفنه بحجة انه كافر لا يجوز دفنه في مقابر المسلمين.

وقبل ذلك كان شاب آخر يدعى عمر باطويل 17عام ناشط يمني دأب على انتقاد التشدد الديني والتطرف تعرض للاغتيال بطريقة مماثلة في 25 نيسان/ابريل 2016 في مديرية المنصورة بمدينة عدن.

كان عمر تلقى رسائل تتهمه بالإلحاد وتتوعده بالقتل وفي فجر الاثنين وجد باطويل في طريق عام مضرجاً بدمائه إثر تلقيه رصاصة في راسة وهزت هذه الحادثة الوسط اليمني.

الثالث من يونيو /حزيران 2017 كان شاهداً على احدث عملية اغتيال في عدن استهدفت شاب يدعى محمد خير عثمان 17 عام اثناء خروجه من صالة رياضية في مديرية البريقة حيث اطلق مسلح مجهول النار على رأسه وارده قتيلا.

ولم تبدر قرائن واضحة على أن المتشددين مسؤولون عن قتل عثمان كتلك التي ظهرت بشأن باطويل وأمجد بعد مقتلهما, لكن الطريقة التي قتل بها عثمان مطابقة تماماً لتلك التي حدثت لامجد وباطويل.

وربما يرجع سبب ذلك إلى أن عثمان لم يكن اسماً معروفاً في أوساط الناشطين والمثقفين, الأمر الذي لم يشكل مقتله حافزاً قوياً بالنسبة للرأي العام للتقصي في حادثة مقتله وجمع الشهادات والقرائن.

وفي هذا السياق قالت توكل كرمان ناشطة يمنية حائزة على جائزة نوبل للسلام للمونيتور: إن واقع حرية التعبير والفكر والمعتقد اصبح مريع للغاية في عدن.

وأضافت: "هناك عناصر متشددة انخرطت في صفوف قوات الحزام الأمني الذي تموله وتديره الامارات ويتحكم بالوضع الأمني في جنوب اليمن، وان جرائم القتل تتم في ظل صمت هذه الجهة وربما بمباركتها".

والحزام الأمني هي قوة تأسست في ربيع 2016. تتبع هذه القوة رسميا وزارة الداخلية اليمنية، لكنها ممولة ومسيَّرة من الإمارات. قالت هيومن رايتس ووتش أن الحزام الأمني عَمِل خارج سلطة الحكومة اليمنية إلى حد كبير. ويدير مركزيّ احتجاز غير رسميين على الأقل في عدن وقام باعتقال وتعذيب عشرات الأشخاص.

وادى الحضور الباهت للحكومة اليمنية التي يقيم معظم وزرائها في مدينة الرياض الى انتعاش المتطرفين والميليشيات وتضييقهم على الحريات والمعتقدات الدينية.

في مارس آذار 2016 هاجم أربعة مسلحين داراً للمسنين في عدن وقتلوا ستة عشر شخص من بينهم أربع راهبات هنديات وموظفتين يمنيتين وثمانية من النزلاء كبار السن وحارسا.

قالت نسمة منصور طالبة في قسم هندسة مدنية بجامعة عدن أول جامعة حكومية بالمدينة للمونيتور: "ان القتل في عدن بات شائعاً وتحت مبررات غريبه، اعرف شخص قتل من قبل مجهولين بحجة انه مثلي جنسيا."

وواصلت “ الناشطين يغادرون عدن تباعاً، الوضع بات متوتر واسرتي منعتني من مغادرة المنزل خوفا على حياتي".

تحدثت نسمة عن ان حرية الراي بعدن قائلة إنها "انتهت فحين تنتقد الجماعات الدينية فإن تهمتك جاهزة وهي "الإلحاد" ولو انتقدت السلطة المحلية الهشة فانت بالضرورة عضوا في حزب الإصلاح "جماعة الاخوان المسلمين" . وحين تنتقد "الحراك الجنوبي" فصيل مسلح يسعى لاستقلال جنوب اليمن عن شماله" فتهمتك ستكون انك عميل من انصار الرئيس السابق علي صالح. التهم ضد الناشطين جاهزة وكل جهة مستعده ان تعمل اسواء الاشياء بمن يعارضها".

ويعكس فشل فرض الامن في عدن صعوبة الوعود التي اطلقها الرئيس هادي بانه سيستعيد كل المدن التي سيطرت عليها جماعة انصار الله الحوثية.

ويتهم الناشطون في عدن متشددين إسلاميين بشن هذه الحرب عليهم. غير أنه من الصعوبة بمكان معرفة الطرف الذي يقف وراء الهجمات بالنظر الى عدد الجماعات المسلحة كتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وجناح تنظيم الدولة الإسلامية، والجماعة السلفية ذات الحضور الأبرز.

قال للمونيتور: محمد علي يعرف نفسه بـ "كاتب وباحث": انه غادر عدن رفقة 10 شباب اخرين خوفاً من اغتيالهم.

وهرب محمد في 29 ديسمبر /كانون الاول 2016 الى الهند بعد محاولة قتله من قبل شخصين احدهم ملثم ويحمل مسدس كاتم للصوت بحسب قوله.

اضاف: اعرف ثلاثة نشطاء ما زالوا في عدن ، ليسوا ملاحقين ولكني اخشى على حياتهم من المتطرفين.

قال أستاذ في جامعة عدن فضل عدم ذكر اسمه للمونيتور "بغض النظر عمن يقف وراء هذا التضييق الممنهج على حرية المعتقد يبدوا ان تحقيق الاستقرار والأمن في عدن ليس أولوية بالنسبة لقوات التحالف العربي وهو امر يضع هذا الحلف على المحك امام الشارع اليمني".

قالت أمل محمد 35 عاماً وهي ناشطة إعلامية وصلت الى صنعاء قبل أربعة اشهر قادمةً من مدينة عدن مع زوجها وطفلها للمونيتور: إنها تلقت تهديدات بالقتل ان هي استمرت بالكتابة في صفحتها على موقع التواصل فيسبوك حول مقتل أمجد والجهة التي تقف خلف الجريمة وحرية الرأي وانتقاد التشدد، الامر الذي اجبرها على مغادرة مدينتها.

تفتقد أمل وهي موظفة في مكتب الاعلام الحكومي بعدن لأسرتها لكن التفكير بالعودة الى عدن اشبه بالانتحار. تقول أمل “الجهة التي أرسلت لي التهديد هي ذاتها التي قتلت عمر باطويل وقد اشارات الى ذلك في رسالة التهديد التي تلقيتها منهم عبر موقع فيسبوك".

تتضاءل سلطة الرئيس هادي في عدن لصالح جماعات متطرفة وميليشيات مسلحة، وتفاقم الامر بعد إقالة محافظ عدن عيدروس الزبيدي في 27 نيسان ابريل الماضي. حيث اشعل قرار الرئيس هادي دعوات الانفصال في أوساط الحراك الجنوبي، الذي يطالب بإقامة حكم ذاتي في جنوب اليمن، والتي كانت دولة مستقلة حتى عام 1990.

ويعتبر الزبيدي ,احد قادة الحراك المطالب بالانفصال وحين قرر الرئيس هادي اقالته من منصبه اعتبر ذلك استهدافاً لمشروعه المتمثل في الانفصال، واصدر قرار يقضي بقيام مجلس انتقالي جنوبي برئاسته أطلق عليه اسم "هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي".

وفي خضم كل هذه الفوضى يعيش اليمن واحدة من اسوء مراحلة على الاطلاق ، اذ تسببت الحرب الاهلية في مقتل 10 الاف مدني، منذ العام 2015 فيما تكفلت الامراض مثل الكوليرا بالقضاء على أولئك الذين نجوا من نيران المتصارعين، وخلفها يقف شبح المجاعة متربصاً بحياة عشرين مليون يمني.

أحمد الولي هو صحفي يمني مقيم في العاصمة اليمنية صنعاء. غطى مجموعة واسعة من القضايا والصراعات  السياسية والاجتماعية والامنية في اليمن  منذ العام ٢٠٠٩. كما عمل مراسلا ومحررا للعديد من المواقع اليمنية والعربية.

x