نبض لبنان

ناشطون لبنانيون يكافحون زواج القاصرين من خلال أشرطة مصورة

p
بقلم
بإختصار
تلجأ منظّمات غير حكوميّة وفنّانون من لبنان إلى الأشرطة المصوّرة لنشر الوعي حول مخاطر الزواج المبكر الذي يطال 6% من الفتيات في لبنان.

نشرت منظّمة "كفى" النسويّة اللبنانيّة غير الحكوميّة شريطاً مصوّراً بعنوان "جازة أو جنازة" يظهر فيه أناس واقفون في الطابور بوجوه عابسة وملابس سوداء ينتظرون دورهم للمصافحة. وقرابة نهاية الشريط، نلمح عروساً طفلة بالقرب من العريس الراشد. الرسالة واضحة: إن تزويج طفلة يعني دفن أحلامها وآمالها وطموحاتها. إنّه ليس حفل زفاف، بل جنازة مستقبل فتاة.

ويشكّل الشريط المصوّر جزءاً من حملة جديدة تحمل الاسم نفسه أطلقتها "كفى" في 10 تموز/يوليو، وهو استمرار لجهود المنظّمة التي بدأت في العام 2015 بهدف القضاء على الزواج المبكر.

تتزوّج نحو 6% من الفتيات في لبنان قبل بلوغهنّ عامهنّ الثامن عشر، وفقاً لبيانات منظّمة الأمم المتّحدة للطفولة ("يونيسف"). وقد ارتفع هذا الرقم مع توافد أعداد هائلة من اللاجئين السوريّين إلى البلاد.

وتهدف حملة "كفى" الوطنيّة بعنوان "حدّدوا السنّ الأدنى للزواج" إلى دفع مجلس النوّاب إلى إصدار قانون جديد يحظّر زواج المرأة قبل سنّ الثامنة عشر. وتسعى المنظّمة أيضاً إلى إلغاء مادّتين اثنتين في قانون العقوبات، هما المادّة 505 التي تسمح للمغتصب بالزواج من ضحيّته القاصر، والمادّة 522 التي تسمح للمغتصب بالإفلات من العقاب إذا تزوّج الضحيّة.

في لبنان، ما من سنّ قانونيّة للزواج. وتسمح قوانين الأحوال الشخصيّة الطائفيّة، التي تشمل جميع الأنظمة الدينيّة المتعلّقة بالزواج والميراث والطلاق والوصاية في طائفة معيّنة، للفتيات اللواتي تخطّين سنّ الخامسة عشر بالزواج. وفي 15 نيسان/أبريل، نشرت منظّمة "هيومن رايتس ووتش" بياناً جاء فيه أنّ "الزواج المبكر قد تكون له تداعيات وخيمة لمدى الحياة، وهو غالباً ما يحدّ من قدرة الفتاة أو يلحق الضرر بقدرتها على التمتّع بمجموعة كبيرة من حقوق الانسان". وأضاف البيان أنّ "الفتيات اللواتي يتزوّجن باكراً معرّضات أكثر من غيرهنّ للتسرّب المدرسيّ ومعرّضات إلى حدّ كبير للاغتصاب الزوجيّ والعنف المنزليّ وصعوبة النفاذ إلى عمل لائق والاستغلال ومجموعة من المشاكل الصحيّة الناجمة عن الحمل المبكر".

وتكافح "كفى" منذ فترة الزواج المبكر من خلال أشرطة مصوّرة تتضمّن مشاهد قويّة وعناوين ملفتة. وقد فاز شريطها المعنون "الأحوال الشخصيّة قاصرة" أو (2015) "Legally Bride" جوائز دوليّة عدّة وانتشر انتشاراً واسعاً. وفي الشريط، صوّرت كاميرا خفيّة ممثّلين اثنين يلتقطون صور زفافهما على الكورنيش في بيروت. وقد نظر إليهما المارّة بفضول وبغضب أو حاولوا التدخّل سائلين الفتاة الصغيرة إذا كانت تريد الزواج ومستجوبين "زوجها" الأكبر سنّاً. وكان واضحاً أنّ الكثيرين ممّن استوقفهم المشهد لم يكونوا مدركين أنّ الزواج من قاصر مسموح في لبنان.

وفي الشريط التالي الذي نشرته "كفى" والذي حمل عنوان "حدّدوا السنّ الأدنى للزواج"، بعثت الممثّلة الصغيرة نفسها التي صوّرت شريط "الأحوال الشخصيّة قاصرة" وفتيات أخريات رسائل مباشرة وواضحة عن حقوقهنّ القانونيّة، بما في ذلك ما يأتي: "بموجب القانون، ممنوع عليّ القيادة"، و"توقيعي ليس قانونيّاً"، و"ممنوع عليّ أن أسهر كثيراً"، و"ممنوع على ولد مثلي أن يعمل"، و"ممنوع عليّ مشاهدة أفلام لمن هم فوق سنّ الثامنة عشر"، و"في هذه السنّ، لا أريد أن يناديني أحد ماما!".

وقالت منسّقة التواصل في "كفى"، مايا عمّار، لـ "المونيتور": "كنّا نعمل على الأرض لمكافحة زواج القاصرين من خلال جلسات توعية، خصوصاً في البقاع حيث هناك عدد كبير من اللاجئين السوريّين، مع أهال ومراهقين لبنانيّين وسوريّين".

وأضافت: "أدركنا أنّنا مهما فعلنا، لن تتوقّف الزيجات المبكرة إلى أن يصدر قانون يحظرّها، ولذلك قرّرنا إطلاق حملات. وكان الهدف من الشريط المصوّر الأوّل تعريف الناس على الوضع، فيما كان الشريط الثاني شخصيّاً أكثر وبمثابة نداء إلى مجلس النوّاب لإصدار قانون يحدّد سنّ الثامنة عشر، التي هي السنّ القانونيّة للمسؤوليّة الكاملة، كالسنّ الأدنى للزواج. أمّا الشريط الأخير فهو بمثابة تذكير لمجلس النوّاب – الذي مدّد لنفسه سنة إضافيّة – بأنّ مشكلة الزواج المبكر لا تزال موجودة وأنّ التحرّك القانونيّ إلزاميّ. وقد نشرناه مباشرة بعد أن قال زعماء دينيّون علناً إنّ الزواج المبكر مقبول وفضّل أشخاص كثيرون كانوا يدعموننا أن يصدّقوهم".

وقالت عمّار إنّ المشكلة تكمن "في المؤسّسات الدينيّة التي تجعل الناس يظنّون أنّ قوانين الأحوال الشخصيّة مقدّسة وأنّ الدولة لا تريد التدخّل". وفي آذار/مارس، قدّم النائب إيلي كيروز مسودّة قانون أعدّها "التجمّع النسائيّ الديمقراطيّ اللبنانيّ"، وهو منظّمة محليّة عير حكوميّة، تحدّد سنّ الثامنة عشر كالسنّ الأدنى للزواج. لكنّ مجلس النوّاب لم يضع هذه المسودّة على جدول أعماله.

ويتطرّق الفنّانون بدورهم إلى مسألة الزواج المبكر. وفي نيسان/أبريل، أطلق المخرج خليل زعرور فيلم "نور" الذي يحكي قصّة فتاة تزوّجها عائلتها من الرجل الأكثر ثراء في قريتها.

وقال زعرور لـ "المونيتور": "أحاول من خلال أفلامي مساعدة المجتمع اللبنانيّ على التغيّر – مثل فيلم "ملاكي" الوثاقيّ الذي يعالج موضوع المخطوفين في الحرب الأهليّة. هذه المرّة، اجتمعتُ بفتيات تزوّجن في سنّ مبكرة، وتستند قصّة نور إلى شهاداتهنّ. لقد أُرغمت أكثريّة الفتيات على الزواج من قبل أهلهنّ وهنّ يتأسّفن على قرار أهلهنّ. وقلن لي إنهنّ يفضّلن رؤية بناتهنّ أمواتاً على فعل الأمر نفسه بهنّ".

لقد دعا زعرور النوّاب إلى عروض الفيلم، وهو يعتزم عرض الفيلم في المدارس والقرى في المناطق الريفيّة النائية في تشرين الأول/أكتوبر. وسوف ترافق العروض جلسات توعية تنظّمها جمعيّة دار الطفل اللبنانيّ (AFEL)، وهي منظّمة غير حكوميّة تعنى بحماية الطفل. وقال زعرور: "يجهل الكثيرون أنّ الزواج المبكر موجود في لبنان، ولذلك آمل أن يساهم فيلمي في تغيير ذهنيّة الناس ويدفع المشرّعين إلى التحرّك من أجل القضاء على زواج القاصرين".

أمّا عمّار فقالت إنّ "أيّ عمل فنيّ له دور فعّال في مناصرة قضيّة ما. والأشرطة المصوّرة تذكّر الناس بمواضيع معيّنة بطريقة فعّالة، ويمكن استخدامها أيضاً كأداة تفاعليّة في جلسات التوعية".

فلورانس ماسينا هي صحفيّة مقيمة في بيروت تكتب حول المسائل الاقتصاديّة، والثقافيّة والاجتماعيّة. درست العلوم السياسيّة والصّحافة في تولوز في جنوب فرنسا، وهي تسافر متنقّلة في المنطقة منذ العام 2010. تركّز ماسينا بشكل أساسي على التراث وقضايا المرأة، فضلاً عن تقديم أفكار إيجابية للبنان.

x