نبض الخليج

الأزمة الدبلوماسيّة بين الكويت وإيران قد تخلّف تداعيات واسعة النطاق

p
بقلم
بإختصار
إنّ قرار الكويت بطرد بلوماسيّين إيرانيّين على خلفيّة قضيّة خليّة العبدلي الإرهابيّة قد يؤثّر على السياسة الداخليّة وصفقات الأعمال والعلاقات الإيرانيّة مع مجلس التعاون الخليجيّ.

طردت الكويت السفير الإيرانيّ و14 دبلوماسيّاً إيرانيّاً في 20 تموز/يوليو، وأمرت بإغلاق الملحقيّة الثقافيّة والمكتب العسكريّ لطهران في هذا البلد الخليجيّ الغنيّ بالنفط. ووصف المسؤولون الإيرانيّون هذا القرار بأنّه "مستنكر"، ورفعوا شكوى لدى القائم بالأعمال الكويتيّ. وأبقت طهران على سفيرها في مدينة الكويت.

ونظراً إلى تاريخ الكويت كدولة "محايدة" تتفادى المواجهات وتتعاون مع الدول المجاورة كافّة، كما أظهر مؤخّراً توسّط الأمير الكويتيّ دبلوماسيّاً بين الأطراف المعنيّة بالأزمة القطريّة، شكّل قرار الطرد مفاجأة لدى الكثيرين. وقد هدفت الخطوة الجريئة، التي هي بلا شكّ مناقضة للجهود التي بذلتها الكويت في وقت سابق من هذه السنة من أجل نزع فتيل التوتّر بين طهران ودول مجلس التعاون الخليجيّ، إلى إظهار تضامن الكويت مع المملكة العربيّة السعوديّة في الوقت الذي تزيد فيه الرياض الضغوط على قطر ودول عربيّة أخرى من أجل دفعها إلى النأي بنفسها عن طهران.

رسميّاً، اتّخذت الكويت هذه الخطوة كردّ على قضيّة العبدلي، التي تعود إلى آب/أغسطس 2015 وتتعلّق بالكشف عن خليّة إرهابيّة شيعيّة مؤلّفة من 26 شخصاً (25 كويتيّاً وإيرانيّ واحد) تربطها علاقة مزعومة بالحرس الثوريّ الإيرانيّ وحزب الله اللبنانيّ. ووفقاً للمسؤولين الكويتيّين، امتلك المشتبه بهم كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر وهرّبوا متفجّرات من إيران إلى الكويت. وتنفي طهران أن تكون لها أيّ علاقة بقضيّة العبدلي.

بدأت المحاكمة في أيلول/سبتمبر 2015، وصدر الحكم الاستئنافيّ النهائيّ الشهر الماضي عندما – وبموجب حكم صادر عن المحكمة العليا – تقرّر الحكم على العقل المدبّر في الخليّة بالسجن المؤبّد. وحُكم على نحو عشرين شخصاً آخرين بالسجن لفترات تترواح من خمس سنوات إلى 15 سنة. وكانت محكمة أدنى درجة قد أدانت غالبيّة المشتبه بهم البالغ عددهم 26 شخصاً في كانون الثاني/يناير 2016، لكنّ محكمة استئنافيّة برّأت عدداً كبيراً منهم في وقت لاحق من تلك السنة أو خفّضت مدّة عقوبتهم قبل إطلاق سراحهم. ووفقاً لصحيفة "السياسة" الكويتيّة، فرّ 14 شخصاً من الأشخاص المتورّطين في القضيّة إلى إيران بحراً بعد سماعهم عن الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا الشهر الماضي والذي أسقط قرار تبرئتهم أو تخفيف مدّة عقوبتهم. وأكّدت السلطات الكويتيّة أنّ موقع 14 شخصاً من الأشخاص المدانين مجهول، مشيرة في الوقت نفسه إلى أنّ أحداً منهم لم يغادر الكويت عبر نقاط الخروج الرسميّة.

قد يكون لقرار الكويت بطرد الدبلوماسيّين الإيرانيّين تداعيات مهمّة على المناخ السياسيّ الداخليّ في البلاد وعلاقة البلاد بإيران. وقد سبق أن أجّجت قضيّة العبدلي الخلافات الطائفيّة في الكويت سنة 2015، ومن المحتمل أن يؤجّجها التطوّر الأخير أكثر. وخلافاً للعراق والمملكة العربيّة السعوديّة والبحرين والدول العربيّة الأخرى، تتميّز الكويت بأنّها نسبيّاً منارة للطمأنينة والتسامح والتعايش الشيعيّ السنيّ السلميّ في منطقة تعاني من عدم الاستقرار والفتنة الطائفيّة. ويتمتّع أمير الكويت بولاء الأقليّة الشيعيّة في بلده، التي تشكّل ثلث سكّان الكويت والتي حافظت على علاقات وثيقة ووديّة مع عائلة آل الصباح الحاكمة منذ الاجتياح العراقيّ سنة 1990. واليوم، تدير عائلات شيعيّة ثريّة شركات كويتيّة كبيرة (مجموعة الكاظمي الدوليّة، مجموعة معرفي، مؤسّسة مراد يوسف بهبهاني، وغيرها) وتعمل في مجالات الشحن، واللوجستيّات، وتوزيع السيّارات، والعقارات، والبناء، والبيع بالتجزئة، والتجارة، والسياحة.

ومن الممكن أن يؤدّي طرد الكويت للدبلوماسيّين الإيرانيّين إلى تقويض فرص المملكة العربيّة السعوديّة وإيران في نزع فتيل التوتّر في علاقتهما. وبناء على فرضيّة أنّ إيران دولة راعية للإرهاب تمدّ الميليشيات الشيعيّة في المشرق وشبه الجزيرة العربيّة بالمال والسلاح، سوف يزيد قرار الكويت المسؤولين في دول مجلس التعاون الخليجيّ الأخرى قناعة بأنّ طهران ليست صادقة في دعوتها إلى تحسين العلاقة بينها وبين المشايخ العربيّة في شمال الخليج العربيّ وغربه.

ويهدّد هذا التدهور في العلاقات الثنائيّة بتقويض التقدّم في العلاقات الكويتيّة الإيرانيّة الذي أحرزته الدولتان بعد وصول حسن روحاني إلى سدّة الرئاسة الإيرانيّة (2013)، وزيارة أمير الكويت الرسميّة الأولى إلى إيران كرئيس دولة (2014)، وتوقيع خطّة العمل الشاملة المشتركة (2015)، ورحلة وزير الخارجيّة الكويتيّ النادرة إلى طهران (2017). وفي عدد من المسائل الإقليميّة، لم تقف الكويت إلى جانب المملكة العربيّة السعوديّة بقدر بعض دول مجلس التعاون الخليجيّ الأخرى، نظراً إلى دور الكويت الصغير نسبيّاً في الحملة العسكريّة التي تقودها الرياض في اليمن، وقرارها بعدم نشر أيّ قوّات بريّة في البحرين في ظلّ الاضطرابات سنة 2011، وإعادة فتح سفارة دمشق في الكويت سنة 2014. وخلافاً للبحرين والمملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتحدة التي قطعت علاقاتها مع طهران أو خفّفتها السنة الماضية، حافظت الكويت نوعاً ما على علاقة طبيعيّة مع إيران على الرغم من سحب سفيرها في طهران في كانون الثاني/يناير 2016 للتعبير عن تضامنها مع الرياض بعد إقدام السعوديّة على إعدام الشيخ الشيعيّ نمر النمر. في ظلّ هذه العوامل، كان من المنطقيّ أن تبذل الكويت جهوداً من أجل تخفيف حدّة التوتّر بين طهران ومجلس التعاون الخليجيّ في وقت سابق من هذه السنة.

ومع أنّه يبقى أن نرى ما إذا كانت الكويت ستصبح دولة مجلس التعاون الخليجيّ الثالثة بعد السعوديّة والبحرين التي تقطع علاقاتها مع طهران، إلا أنّ هذه الخطوة المفاجئة بطرد الدبلوماسيّين الإيرانيّين جاءت على الأرجح نتيجة الضغوط السعوديّة المتزايدة في الوقت الذي تبقى فيه الجمهوريّة الإسلاميّة، أقلّه في نظر السعوديّين، الخطر الأوّل على الأمن الإقليميّ. وفي الوقت نفسه، نظراً إلى تفضيل إدارة ترامب للدول العربيّة السنيّة الملتزمة بالتصدّي للنفوذ الإيرانيّ في الشرق الأوسط، فقد أثّرت عمليّة الانتقال في البيت الأبيض في بداية السنة على الأرجح على السياسة الخارجيّة الكويتيّة، خصوصاً في أعقاب القمّة العربيّة الإسلاميّة الأميركيّة في أيار/مايو.

وممّا لا شكّ فيه أنّ سياسة خارجيّة مناهضة لإيران بشكل متزايد قد تخلّف تداعيات كبيرة على مصالح الكويت الاقتصاديّة وساحتها السياسيّة الداخليّة. وإنّ احتمال توقيع اتّفاق مع طهران من أجل استيراد الغاز الإيرانيّ هو عامل يتعيّن على الكويت التمعّن فيه في الوقت الذي تصطفّ فيه مع دول مجلس التعاون الخليجيّ الأخرى ضدّ إيران. ومع أنّه ما زال من المبكر جداً تحديد التأثير الذي ستخلّفه الخطوة الأخيرة على العلاقات الطائفيّة في الكويت، إلا أنّه من الواضح أنّ الاضطرابات الإقليميّة والتوتّر الطائفيّ المتصاعد في النزاعات المجاورة أثّرت على السياسة الداخليّة الكويتيّة، كما أظهرت قضيّة العبدلي والحرب الأهليّة في العراق وسوريا واليمن، التي جعلت الانقسامات بين السنّة والشيعة في الكويت تطفو على السطح. وبالتالي، يتعيّن على القيادة توخّي التوازن في ما يتعلّق بالتعامل مع العلاقات السنيّة الشيعيّة في الداخل ومواجهة التحدّيات الإقليميّة المتعلّقة بالسياسة الخارجيّة، خصوصاً التعامل مع الخصومة بين الرياض وطهران والانقسامات الداخليّة في مجلس التعاون الخليجيّ التي تهدّد بتفكيك المجلس.

وجد في : irgc, diplomatic relations, qatar crisis, sunni-shiite conflict, nimr al-nimr, iranian-saudi relations, gcc
x