نبض العراق

هل المناطق السنيّة ستطالب بالالتحاق بإقليم كردستان؟

p
بقلم
بإختصار
يعمل الجناح الانفصاليّ في إقليم كردستان على استغلال مطالب العرب السنّة في اتّجاه دعم الاستفتاء ومشروع الانفصال.

مع قرب نهاية "داعش" في العراق، تعود ثانية سرديّة المكوّنات الـثلاثة (الشيعة، السنّة والكرد) والتنافس الطائفيّ بينها، فهناك تحشيد واسع بين الأحزاب السياسيّة للمكوّنات الثلاثة نحو تعزيز الهويّة الطائفيّة لكلّ منها في رسم المشهد السياسيّ للعراق لمرحلة ما بعد "داعش".

حذّر رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي عبر سلسلة منشورات في صفحته الرسميّة على "فيسبوك"، ممّا أسماه محاولات البعض "تسويق الطائفيّة"، بعد الانتهاء من تحرير الموصل. وقال في منشور آخر: "بعد أن حرّرنا الموصل، ظهرت وجوه جديدة تتحدّث باسم أهل الموصل والأنبار، وهي كانت مختبئة".

وأشار حيدر العبادي تحديداً إلى ظهور مطالبات تطرح باسم أهل السنّة في المناطق المحرّرة لتقسيم البلد على أسس طائفيّة، ومنها المطالبة بضمّ المناطق السنيّة إلى إقليم كردستان على أساس أنّ العرب السنّة يجمعهم المذهب السنيّ مع الأكراد، الأمر الذي يعني تقسيم العراق إلى منطقة سنيّة تضمّ الأكراد والعرب السنّة وأخرى شيعيّة تضمّ العرب الشيعة.

لقد شهدت قرى عربيّة في شمال محافظة نينوى مظاهرات تطالب بضمّ مناطقها إلى إقليم كردستان، فتظاهر المئات من أبناء عشائر نينوى العربيّة من أهالي ناحيتيّ زمار وربيعة في غرب دجلة في 18 تمّوز/يوليو للمطالبة بضمّ مناطقهم إلى إقليم كردستان. وتقع زمار وربيعة ضمن المناطق التي يطمح إقليم كردستان إلى انضمامها، وهي المسمّاة في خطاب حكومة الإقليم بالمناطق الكردستانيّة خارج إدارة الإقليم.

وطالب أيضاً المشاركون في المظاهرة بإتاحة حقّ التصويت لهم في استفتاء إقليم كردستان للاستقلال والمقرّر انعقاده في 25 أيلول/سبتمبر المقبل. وكذلك، طالب شيوخ عشائر في أطراف مدينة الموصل بـ22 حزيران/يونيو بضمّ مناطقهم إلى إقليم كردستان وإجراء استفتاء تقرير المصير فيها.

وفي كركوك التي تنوي حكومة الإقليم إجراء الاستفتاء فيها أيضاً، رغم أنّها ليست ضمن حدود إقليم كردستان الفعليّة، أيّدت عشائر عربيّة، من ضمنها عشيرة العبادة، الاستفتاء على استقلال الإقليم. وقال شيخ عشيرة العبادة الشيخ خلف العبادي في 6 تمّوز/يوليو لموقع "كوردستان 24": "نؤيّد استفتاء كردستان لأنّ قوّات البيشمركة تحمي المكوّنات كافّة من دون تفرقة على أسس دينيّة أو عرقيّة، ونحن سنقف مع الجهة التي تحمينا".

وقد تنبّأ رجل الدين السنيّ البارز أحمد الكبيسي في حوار مع قناة "سامراء" العراقيّة في 20 تمّوز/يوليو بأنّ "العراق سيقسّم، وبالتّالي المنطقة السنيّة القويّة في العراق ستكون كردستان، وكردستان سوف لن تكون للأكراد فقط، فكلّ العرب السنّة سيلتحقون بها عن رغبة صارمة، وكلّ العرب السنّة سيكونون تحت عباءتها بإخلاص".

يظهر مشهد التنافس الطائفيّ في البلد أنّ هناك خطابين رئيسيّين معالمهما واضحة، فهناك الأحزاب الشيعيّة التي تريد أن تكون لها اليدّ العليا في الدولة عبر تمثيلها السياسيّ والاحتفاظ بفصائلها العسكريّة ضمن مؤسّسة الحشد الشعبيّ التي أريد لها عبر قانون الحشد الشعبيّ أن تعمل خارج إطار الجيش العراقيّ وفي موازاته، وهناك أيضاً الخطاب الانفصاليّ للأحزاب الكرديّة، وخصوصاً الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ ذات الأغلبيّة في البرلمان والحكومة.

أمّا الأحزاب السياسيّة للعرب السنّة في العراق فما زالت عاجزة عن بلورة مطالب ناخبيها، فهي ليست مصمّمة على دعم العراق الموحّد ضمن خطاب وطنيّ شامل يجمعها مع المكوّنات الأخرى، وهي في الوقت نفسه عاجزة عن تأسيس مشروع خاص لكيفيّة إدارة المناطق ذات الأغلبيّة السنيّة في مرحلة ما بعد "داعش"، وهذا ما يجعلها تستغلّ أحياناً من قبل الأحزاب الشيعيّة والكرديّة ضمن الأجندات السياسيّة لكلّ منها.

لقد وقعت مساومات عدّة سابقاً بين الأحزاب الشيعيّة والسنيّة لدعم مشروع سياسيّ لحزب شيعيّ، مقابل حصول الطرف السنيّ على مناصب سياسيّة محدّدة. ويبدو الآن أنّ هناك محاولات كرديّة لاستغلال العرب السنّة لصالح المشروع الانفصاليّ للحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ.

ومن مظاهر ذلك، لقاء رئيس حكومة إقليم كردستان مسعود بارزاني مع مجموعة من شيوخ العشائر العربيّة التي تسكن المناطق المتنازع عليها في محافظة نينوى بـ22 حزيران/يونيو الماضي. وقال المتحدّث باسم العشائر العربيّة في نينوى مزاحم الحويت في بيان: "إنّ شيوخ العشائر أبدوا رغبتهم في ضمّ مناطقهم إلى إقليم كردستان، وشمولها بإجراء استفتاء تقرير المصير المقرّر عقده في 25 أيلول/سبتمبر المقبل".

ودعا إلى "ترشيح شخصيّات من القوميّة العربيّة لعضويّة برلمان كردستان خلال المرحلة المقبلة".

ويعمل مسعود بارزاني في الوقت نفسه على تحشيد الدول العربيّة السنيّة للحصول على دعمها في استقلال كردستان. ولقد اجتمع بارزاني في 4 تمّوز/يوليو مع قناصل 7 دول عربيّة سنيّة في الإقليم، هي: المملكة العربيّة السعوديّة، الأردن، مصر، الإمارات العربيّة المتّحدة، فلسطين، الكويت، والسودان. وشرح بارزاني لهم تصوّراته لمرحلة ما بعد "داعش" في العراق والأسباب التي دفعت إلى قرار إجراء استفتاء انفصال الإقليم عن العراق في أيلول/سبتمبر المقبل.

وعليه، يبدو أنّ المجتمع العربيّ السنيّ سيستخدم كورقة ضغط بيدّ الجناح الانفصاليّ في إقليم كردستان ضدّ بغداد، بينما السلطة السياسيّة الشيعيّة في بغداد ستستمرّ بفشلها في احتضان المجتمع السنيّ ومساعدته في بلورة مشروع سياسيّ وطنيّ يساهم في تعزيز الهويّة الوطنيّة للعراق الموحد. وما سيضيع في هذا البين، ليس إلاّ مصالح المجتمع السنيّ، الذي عانى طوال السنوات الماضية من التدمير على يدّ المجاميع الإرهابيّة من جهة، والإهمال من قبل الحكومة المركزيّة في بغداد من جهة أخرى.

وجد في : is, krg, referendum, massoud barzani, sunni-shiite conflict, haider al-abadi, secession, ninevah province

علي المعموري هو باحث وكاتب متخصص في الدين. وهو كان مدرس في الجامعات الإيرانية والحوزات في إيران والعراق. وقد نشرت له العديد من المقالات ذات الصلة بالشأن الديني في البلدين والتحولات المجتمعية والطائفية في الشرق الأوسط.

x