نبض مصر

اختفاء العمدة السيّدة... هل تظلّ المرأة محرومة من المناصب في الريف المصريّ؟

p
بقلم
بإختصار
ظنّت ناشطات مصريّات أنّ تقلّد سيّدة منصب العمدة هو انتصار لقضيّة تمكين المرأة، إلاّ أنّ المفاجأة وقعت عندما اختفت هذه السيّدة منذ 120 يوماً حتّى الآن، في ظلّ اتهامات الأجهزة الأمنيّة بالتقصير في البحث عنها وانتقادات عدّة لعادات المجتمع الريفيّ الرافض لاعتلاء المرأة المناصب.

القاهرة - أتمّت ناهد لاشين، وهي العمدة الأولى السيّدة في محافظة الشرقيّة بـ16 تمّوز/يوليو شهرها الرابع من الاختفاء في ظروف غامضة من دون توافر أيّ من المعلومات عمّا إذا كانت مختطفة أو مقتولة أو غيرهما من الاحتمالات. وتفتح واقعة اختفائها تساؤلات عدّة حول ارتباط اختفائها أو اختطافها بكونها سيّدة تشغل منصب العمدة، وتأثير هذه الاحتماليّة على محاولات تمكين المرأة في المناصب القياديّة.

تقلّدت لاشين منصب عمدة قرية حانوت في محافظة الشرقيّة بأيلول/سبتمبر من عام 2014 لتكون بذلك السيّدة المصريّة الأولى التي تفوز بمنصب العمدة بعد ثورتيّ 25 كانون الثاني/يناير و30 حزيران/يونيو، رغم المشاركة الكثيفة للمرأة في الحدثين. كما أنّها الثانية في تاريخ مصر، التي تتبوّأ منصب العموديّة، بعد إيفا هابيل الفائزة بمنصب عموديّة قرية كمّ بوها في محافظة أسيوط خلال عام 2009. العمد في مصر بالتعيين ولكن يترشح الراغبون في شغل المنصب إلى مديرية الأمن المسئولة عن القرية وتختار مديرية الامن من بينهم بناء على سمعتهم ورأي الأهالي فيهم وما يقدمونه من خطط لحفظ الأمن ورعاية مصالح المواطنين في القرية للمديرية.

وخلق اختفاء ناهد لاشين مجالا للعديد من الشائعات حول مصيرها، وتتكرر تلك الشائعات بين الحين والآخر كما حدث في 26 يوليو عندما تداولت الصحف شائعة العثور على جثتها وشائعة أخرى عن عودتها للمنزل، ونفى صلاح لاشين، شقيق ناهد، الشائعتين في نفس اليوم في تصريحات صحفية.

وتحصل المرأة على تمثيل ضئيل في مناصب العموديّة المرتبطة في أذهان أغلب المصريّين بالرجال، رغم أنّ قانون العمد والمشايخ رقم 58 لسنة 1978 وتعديلاته في عام 1994 و2004 و2015 لم يمنعا المرأة من الترشّح للمنصب، وظلّ الموروث الاجتماعيّ من العادات والتقاليد هو الحائل أمام اعتلائها مقعد العموديّة.

وتختلف وظائف العمدة، وفقاً للوائح التنفيذيّة لقانون العمد والمشايخ في كلّ محافظة، إلاّ أنّها تكون عادة في سياق أن يتولّى العمدة مسؤوليّة حفظ الأمن في القرى النائية عن مراكز الشرطة أو المتواجدة فيها الشرطة بإمكانات بسيطة وأعداد محدودة، نظراً لبعد القرية عن مقرّ مديريّة أمن المحافظة، إضافة إلى التنسيق مع أجهزة الأمن في القضايا الكبرى، ومع المحافظين في مشاكل الزراعة والمواصلات وقضايا السكّان عموماً.

كما يتولّى العمدة مسؤوليّة حلّ النزاعات بشكل وديّ قبل تطوّرها إلى ثأر أو سطو على الأراضي وهي جرائم منتشرة في ريف وصعيد مصر، إضافة إلى الشهادة على عقود الزواج للفتيات الساقط قيدهنّ من دفاتر الدولة وغير المعلوم ما إذا أتممن السنّ القانونيّ للزواج أم لا، وتكون شهادة العمدة الفيصل فيما إذا كانت الفتيات قد أتممن السن القانوني أم لا، وفقا لأن العمدة يكون على علم بكافة الأسر وأهالي القرية.

وكتبت الكاتبة الصحافيّة المهتمّة بشؤون المرأة عزّة كامل في مقال نشر في جريدة "المصريّ اليوم" في 22 أيّار/مايو: "صرّح مدير أمن الشرقيّة بأنّه رصد رسالة على هاتف زوج ناهد تخبره فيها بأنّها لن تعود إلى المنزل وستطلب الخلع. إذا كانت ناهد تريد أن تخلع زوجها، فهل يتطلّب ذلك الاختفاء؟ فالخلع يتمّ في العلن. لقد مضى على اختفائها شهران وأسبوع، فلماذا يطمئن الأمن إلى أنّ اختفاءها مرتبط بخلافات زوجيّة؟!".

وللإشارة فالخلع هو أحد القضايا التي تنظر أمام محاكم الأحوال الشخصية، وتطلب فيه المدعية من المحكمة أن تطلقها من زوجها لاستحالة العيش، وتنفذ المحكمة ذلك بعد إتاحة فرص للصلح بعد أن تلزم الزوجة برد المستحقات المالية المدفوعة في عقد الزواج والتنازل عما لها من مستحقات مستقبلية.

وانتقدت أداء الأمن في التعامل مع اختفاء لاشين، وقالت: "بخلاف الأسباب الزوجيّة، أليس من الأدعى أن تكون هناك شبهة جنائيّة إلى أن يثبت عكس ذلك؟ فلا يعني أن يكون خلافها فى إحدى المرّات مع زوجها وذهابها للمكوث عند أختها مبرّراً لعدم التعامل مع الموضوع على أنّه ربما يكون شيئاً آخر غير الخلافات الزوجيّة التي لا يخلو أيّ بيت منها".

فيما دعا صلاح لاشين، من خلال تدوينة على حسابه الشخصي يوم 26 يوليو على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، إلى وقفة احتجاجية صامتة، يوم الأحد 30 يوليو، لأهالي قرية حانوت والمتضامنين مع أسرة ناهد لاشين أمام مبنى محافظة الشرقية "تنديدا بتقاعس رجال الشرطة في حل لغز اختفائها".

وتعليقاً على ذلك، قال مصدر أمنيّ في مديريّة أمن الشرقيّة لـ"المونيتور" مفضلا عدم ذكر اسمه: "إنّ الأمن لم يكتف باعتبار اختفائها لأسباب زوجيّة. لقد قمنا بتحريّات عدّة وداهمنا بعض الأوكار والمسجّلين المعروفين بجرائم الخطف في قرية حانوت والقرى المجاورة لها، لكنّ كلّ تلك التحرّيات والإجراءات لم تنته بالعثور عليها، ولا يمكننا إغفال احتماليّة أنّها مختفية بإرادتها، خصوصاً أنّه لم يطلب من أسرتها أيّ فدية. كما لا يمكن التعامل مع الأمر على أنّها تعرّضت للقتل لأنّ لا أدلّة على ذلك مثل جثّة أو سلاح جريمة في منزلها أو تهديدات سابقة بذلك".

وانتقدت كامل في مقالها التعامل الاجتماعيّ مع أزمة اختفاء لاشين، حين كتبت: "ولم يبلّغ زوجها عن حادث اختفائها، إلاّ في 26 نيسان/إبريل، أيّ بعد اختفائها بأربعين يوماً، ولم يعلّل سبب ذلك. ولأنّ المختفية امرأة، بدأت تنسج حولها الشائعات من أبناء دائرتها بأنّها ممسوسة بالسحر، وكانت تذهب إلى الشيوخ لكي يفكّوا لها هذا السحر".

لم تنجح محاولات التواصل مع الزوج، هاتفه مغلق معظم الوقت، وفي باقي الأوقات لا يرد.

وتواصل "المونيتور" مع أهال في محافظة الشرقيّة للاطّلاع على آرائهم، وقال مصطفى خلف، وهو طالب في جامعة القاهرة من محافظة الشرقيّة: "إنّ التعامل الاجتماعيّ مع الواقعة عاديّ، فالعديد من سكّان الريف، خصوصاً ممّن لم يتعلّموا، يؤمنون بأنّ السحر والجنّ وراء العديد من حوادث الاختفاء، ولا يرتبط الأمر بكونها امرأة. أمّا بالنّسبة إلى تأخّر زوجها في الإبلاغ فهو أمر مفهوم أيضاً لأنّ أسراً عدّة ترفض الإبلاغ حتّى في القاهرة، خوفاً من أن يؤذي الخاطفون المخطوفين إذا علموا بأنّ أسرهم أبلغت الشرطة".

أضاف: "أستبعد أن تكون لاشين مختطفة لكونها سيّدة شغلت منصب العمدة، فهي ليست الحالة الأولى في مصر، وهي في المنصب منذ عام 2014، ولكن بالطبع يرفض الكثير من السكّان في الريف والصعيد أن تتقلّد المرأة تلك المناصب، لكنّي أستبعد أن يتطوّر الأمر في أيّامنا الحاليّة إلى الخطف أو القتل".

من جهته، قال مهندس زراعيّ من الشرقيّة لـ"المونيتور" مفضلا عدم ذكر اسمه: "أتوقّع أن تقلّد لاشين منصب العموديّة وراء اختفائها، حتّى لو تقّلدته منذ مدّة طويلة، ربّما غضب بعض المتشدّدين دينيّاً أو اجتماعيّاً بسبب قرارات اتّخذتها أو ربّما كان يتمّ السعي إلى الإطاحة بها منذ مدّة ولم تكن الظروف الأمنيّة مؤاتية، فما زال الرافضون لمشاركة المرأة في المناطق الريفيّة أصحاب سطوة وقوّة ونفوذ حتّى ولو تراجعت أعدادهم بشكل ملحوظ، ولا بدّ أن تكون للدولة وقفة معهم".

بدورها، قالت رئيسة الاتّحاد العام لنساء مصر هدى بدران لـ"المونيتور": "إنّ المرأة تواجه تمييزاً في كلّ أنحاء مصر وفي كلّ أنحاء العالم، والدولة تبذل جهوداً لتمكينها من خلال تعيينها في الوظائف القيادية مثل الوزارات والمحافظات وزيادة الاعتماد عليها في المهام الصعبة والنوعية، إلاّ أنّها غير كافية، لأنّ الأمر يتوقّف على مستوى تعاون المواطنين مع تلك الجهود. وقلت إنّ نجاح لاشين أو غيرها من السيّدات في أيّ منصب وعدم تعرّضهن لمضايقات يتوقّف على كيفيّة تعامل الأهالي وتعاونهم معهنّ، ومن المؤكّد أنّ هناك العديد من الرافضين لبقائها كعمدة، ومن المؤكّد أيضاً أنّ الحادث سيخيف العديد من السيّدات من الترشّح لمثل تلك المناصب. ولذلك، على الدولة أن تبذل جهوداً لتوعية المجتمع وتنويره تجاه قضايا المرأة بخلاف قرارات الكوتة، مثل كوتة المرأة في مجلس النواب، واختيار سيّدات في بعض المناصب وغير ذلك".

وجد في : حقوق المرأة
ابق على اطّلاع
بأحدث المستجدّات
تسجّل في نشرتنا الإخباريّة

 

مقالات مشابهة

x