نبض العراق

أنابيب نقل الطاقة في العراق تجرف الأراضي الزراعية وتضرّ بالمناطق الأثرية

p
بقلم
بإختصار
تسبّب مد أنبوب نقل الغاز من ايران الى مناطق ضواحي العاصمة بغداد في تلوث بيئي، وتجاوز على الأراضي الزراعية والمناطق الأثرية.

اشتكى فلاّحون عراقيّون في 21 تمّوز/يوليو من عام 2017 من تجريف أراضيهم الزراعيّة بسبب مدّ أنبوب لنقل الغاز، من إيران إلى مناطق بغداد عبر منطقة بسماية في جنوب شرقيّ العاصمة، في الوقت الذي كشفت فيه تقارير في 22 أيّار/مايو من عام 2017 عن أنّ الأنبوب تسبّب بتضرّر المناطق الأثريّة التي يمرّ عبرها، وأبرزها تلال فانوس.

وأعلنت إيران في 17 آذار/مارس من عام 2016 عن اكتمال إنجاز خطّ أنبوب الغاز الإيرانيّ بطول 98 كلم، والذي يمتدّ من حقل بارس الجنوبيّ إلى بغداد لتوفير وقود المحطّات الكهربائيّة في العاصمة العراقيّة. وكجزء من المشروع، قرّرت لجنة الطاقة الوزاريّة في 14 آذار/مارس من عام 2016 مدّ أنبوب عبر منطقة بسماية لإيصال الغاز إلى محطّات الطاقة الكهربائيّة في المنطقة.

غير أنّ فرح الكثير من أهالي منطقة بسماية بتوفير الطاقة، عكّره إجبارهم بالقوّة على التخلّي عن جزء من أرضهم لصالح المشروع، وفق شهادات وثّقها مقطع فيديو لفضائيّات عراقيّة في 22 أيّار/مايو من عام 2017، حيث أشار مزارع إلى أنّ "قوّة عسكريّة داهمته في أرضه، وأجبرته على قبول مدّ أنبوب الغاز من دون موافقته ومن دون إظهار أيّ أوراق قانونيّة"، معتبراً ذلك "تجاوزاً على الحقوق والقوانين المرعيّة".

وكشف اتّصال "المونيتور" بمديريّة شرطة النهروان في 12 تمّوز/يوليو أنّ "القوّة الأمنيّة التي تحرس المكان لديها الأوامر القانونيّة بحماية مشروع مدّ أنبوب غاز بسماية، وإزالة المعوقات التي تحول دون إنجازه".

وفي بلد مثل العراق، لا يزال الوعي البيئيّ فيه ضعيفاً بين الناس ولا تطبّق فيه إجراءات السلامة البيئيّة، فإنّ ظاهرة تجريف الأراضي الزراعيّة والتسبّب في إضرار المناطق الأثريّة باتت أمراً مألوفاً، ففي تمّوز/يوليو من عام 2016، أشار تقرير لـ"المونيتور" إلى أنّ "أحد أسباب عدم إدراج مدينة بابل التاريخيّة المشهورة في قائمة اليونسكو للتراث العالميّ هو أنبوب النفط المارّ ضمن حدود المدينة".

واتّصل "المونيتور" من جديد بمدير آثار بابل حسين فليح، الذي أكّد أنّ "الإجراءات لنقل الأنبوب النفطيّ خارج الموقع الأثريّ قد بدأت بالفعل، بعد أن كسبت مديريّة آثار بابل الدعوى القضائيّة ضدّ وزارة النفط في عام 2016".

وعلى نمط الصراع نفسه بين المشاريع والبيئة، أعلن رئيس مجلس بلديّة قضاء الزبير في محافظة البصرة - جنوبيّ البلاد بـ18 أيّار/مايو من عام 2017 أنّ "التلوّث البيئيّ الذي يسبّبه استخراج النفط في حقليّ الرميلة والزبير لا يزال مستمرّاً".

فيما قال مصدر حكوميّ في البصرة بـ3 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016: "إنّ هناك أكثر من 3000 عقد زراعيّ تمّ الاستحواذ عليها من قبل شركات التنقيب النفطيّة".

وقال نائب رئيس مجلس محافظة واسط (وسط) تركي الغنيماوي، في حديث لـ"المونيتور"، لا سيّما أنّ مشروع بسماية يقع ضمن الحدود الإداريّة للمحافظة: "إنّ واسط من المحافظات المنتجة للنفط والغاز، وهي تحتاج إلى المزيد من شبكة أنابيب نقل الطاقة إلى المشاريع، بعد ازدياد إنتاج حقل بدرة النفطيّ ليصل إلى 150 ألف برميل يوميّاً، والغاز من حقول الأحدب وبدرة، إضافة إلى الغاز المنقول من إيران".

وأشار إلى أنّ "الأنابيب أضرّت بالزراعة، وأنّ الحكومة تعتزم تعويض الفلاّحين الذين تمّ تجريف أراضيهم"، وقال: "إنّ المناطق الأثريّة في منطقة بسماية هي من المناطق المحميّة. وبعد ورود المعلومات التي بثّتها فضائيّات ووسائل إعلام عن تعرّضها إلى التجريف، فإنّ حكومة المحافظة هي الآن بصدد التحقيق في الموضوع ورفع دعاوى قضائيّة ضدّ الجهات التي تسبّبت في تدمير تلال فانوس الأثريّة". أضاف: "سوف نقاضي وزارة النفط والشركة المنفّذة قانونيّاً".

وأجرى "المونيتور" اتّصالاً هاتفيّاً بمكتب وزير النفط، الذي أكّد له "وجود أنبوب الغاز في مسافات طويلة من الأراضي الجرداء وغير الزراعيّة"، لكنّه أنكر الإضرار بالمناطق الأثريّة والزراعيّة، وقال: "لا يحتلّ الأنبوب ومقترباته سوى مساحات عرضيّة ضيّقة في المناطق التي يمرّ بها، وإنّ التضخيم الإعلاميّ للموضوع تسّبب به فلاّحون يسعون الى الحصول على تعويضات ماليّة كبيرة من دون وجه حقّ، وهم يلجأون بين الفينة والأخرى إلى وسائل الإعلام لإثارة الموضوع".

غير أنّ تضرّر الفلاّحين من المشاريع النفطيّة ليس بجديد، ففي 28 أيّار/مايو من عام 2017، وزّعت الإدارة المحليّة في محافظة ذي قار (جنوب) تعويضات ماليّة لـ900 مزارع، نتيجة الأضرار الناجمة عن عمل الشركات النفطيّة في حقل الغراف النفطيّ.

وتولّدت مشاكل بيئيّة من جولات التراخيص النفطيّة التي حوّلت الأراضي الزراعيّة والأهوار إلى مناطق تابعة للشركات النفطيّة من دون رقابة ودقّة في مراعاة الشروط الصحيّة والبيئيّة.

وازدادت مستويات تلوّث البيئة، نتيجة العمليّات الإرهابيّة التي تتعرّض لها أنابيب النفط بسبب تولّد سحب الدخان وترسّب الزيوت في جوف التربة، الأمر الذي يؤثّر على خصوبتها ويهدّد حياة الإنسان والحيوان والنبات.

هذه المشاكل البيئيّة الناجمة عن مشاريع نقل الطاقة والتنقيب في العراق، اعترف بها عضو لجنة النفط البرلمانيّة زاهر العبادي، الذي قال لـ"المونيتور": "من غير الممكن إيجاد بدائل لمدّ أنابيب نقل الطاقة عبر المناطق الزراعيّة".

وأشار إلى أنّ "وزارة النفط تصادر نحو 75 متراً على جانبيّ كلّ أنبوب، وهي مساحة لا تؤثّر على باقي المناطق الزراعيّة التي تمرّ بها الأنابيب"، لافتاً إلى أنّ "الوزارة تعوّض المزارع عن الجزء المنتزع منه، فيما تترك له حريّة التصرّف بباقي المنطقة الزراعيّة التي يمتلكها". وكشف زاهر العبادي عن "مشروع تعويض المتضرّرين بمنح أراضٍ زراعيّة جديدة لمن يرغب في ذلك".

وإذ رأى العبادي أنّ الحلّ الأمثل يكون بـ"التنسيق بين وزارات العدل والزراعة والكهرباء والماليّة والنفط للخروج باستراتيجيّة جديدة لاستثمار الأراضي من قبل شبكات نقل الطاقة وشركات التنقيب"، لفت إلى "أنّ العمل جارٍ على وضع آليّة تنسيق جديدة"، فإنّ الحلّ الدائم هو في تطبيق استراتيجيّة التعايش بين الزراعة والنفط، وتشريع القوانين التي تحفظ حقوق الناس وتمنع الإضرار بالزراعة والمناطق الأثريّة.

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x