نبض سوريا

الحصار يشتدّ واقتتال بين المعارضة... فماذا ينتظر شرق دمشق؟

p
بقلم
بإختصار
فيما يشدّد النظام السوريّ حصاره على غوطة دمشق الشرقيّة، ويواصل هجماته على حيّي القابون وتشرين، فإنّ اقتتال فصائل المعارضة في الغوطة سيسهم في الإسراع بسقوط المنطقة.

حلب، سوريا – تجد منى محمّد (35 عاماً) نفسها مضطرّة، منذ أسابيع، إلى التأقلم مع أسلوب حياة جديد يفرضه حصار قوّات النظام على غوطة دمشق الشرقيّة، إذ أنّها تضطرّ للخبز بيديها وطهي الطعام على الحطب بسبب عدم توافر الغاز وغلاء أسعار الخبز في الأسواق.

وتسارع إلى أن تستغلّ ساعة ونصف ساعة فقط يعمل فيها المولّد الكهربائيّ، الذي يعد الخيار الوحيد لتأمين الكهرباء، لشحن الأجهزة الإلكترونيّة.

تعمل منى محمّد معلّمة في مدينة دوما، وهي أكبر مدن غوطة دمشق الشرقيّة، الخاضعة لسيطرة المعارضة، من حيث السكان، وقالت لـ"المونيتور" في اتصال عبر "فيسبوك": "إنّ الأوضاع المعيشيّة تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، منذ إغلاق النظام معبر الوافدين".

وفي 21 آذار/مارس، أغلقت قوّات النظام معبر الوافدين، الذي يحمل اسم مخيّم للاّجئين الفلسطينيّين يقع بالقرب منه، وهو المنفذ الذي يمدّ مناطق المعارضة في غوطة دمشق الشرقيّة بالسلع الأساسيّة، حيث يتحكّم النظام بطبيعة الموادّ الداخلة وحجمها.

وأشارت محمّد لـ"المونيتور" إلى أنّ الكثير من الموادّ الغذائيّة اختفت من الأسواق، خلال الأسابيع الأخيرة، مثل "الأرز والسكّر والبطاطا، إضافة إلى الغاز والمحروقات"، واجتاحت الأسواق موجة غلاء، فتضاعف سعر بعض السلع 3 أضعاف، حيث وصل سعر كيلو السكر إلى 3 ألاف ل.س (حوالي 5.5 USD)، وربطة الخبز إلى ألف ل.س (حوالي 1.8 USD).

وبالتزامن مع إغلاق معبر الوافدين، فإنّ أحياء دمشق الشرقيّة، وهي: برزة والقابون وتشرين الخاضعة لسيطرة المعارضة تشهد تصعيداً عسكريًا، من جانب قوّات النظام، بهدف حسم ملفّها.

ورغم أنّ هذه الأحياء قد وقّعت مع بداية عام 2014 هدنة مع النظام تسمح ببقاء الثوّار وتوقف القتال، مقابل دخول الموادّ والسلع إلى هذه الأحياء من خلال معبر برزة، إلاّ أنّ النظام السوريّ أغلق المعبر في 17 شباط/فبراير بشكل نهائيّ. ويأتي هذا، فيما تشنّ قوّات النظام يوميّاً منذ 2 شباط/فبراير هجوماً على حيّ القابون، لم تعرفه المنطقة منذ 3 سنوات، وسط قصف عنيف من الطائرات الروسيّة.

ورغم البسالة التي تبديها المعارضة في صدّ هذه الهجمات، إلاّ أنّ قوّات النظام اخترقت خطوط دفاع المعارضة أخيراً، وتمكّنت من عزل حيّي القابون وتشرين عن حيّ برزة، بعد أن تقدّمت بشكل ملحوظ وسيطرت على شارع "الحافظ"، في 24 نيسان/أبريل. وهذا ما أكّده لـ"المونيتور" الناشط الإعلاميّ عبد الله المحمّد، المتواجد في حيّ القابون، وقال: "إنّ قوّات الأسد تسعى إلى التقدّم مهما كلّف الأمر (...)، فهي تدمّر كلّ شيء في طريقها، لتتقدّم بعد ذلك".

وإلى حين إغلاق معبر برزة، كانت أحياء دمشق الشرقيّة "المهادنة" المنفذ الثاني لغوطة دمشق، فصحيح أنّ قوّات النظام تعزل ما بينهما برّاً، من خلال سيطرتها على أوتوستراد دمشق – حمص، إلاّ أنّ شبكة من الأنفاق عمدت المعارضة على حفرها، كانت تربط ما بين أحياء دمشق الشرقيّة والغوطة.

أمّا الآن، فباتت أحياء دمشق الشرقيّة والغوطة تحت حصار يشتدّ أكثر فأكثر، مع إغلاق معبري برزة والوافدين وسيطرة النظام على غالبيّة الأنفاق، والتي كان آخرها نفق "الرحمة"، الذي يربط الغوطة بحيّ القابون.

يبدو أنّ النظام السوريّ قد تفرّغ لحسم ملف شرق دمشق، فبينما كان معبر الوافدين يدرّ أرباحاً هائلة على مسؤولي النظام والتجّار المقرّبين منه، حيث تدخل البضائع إلى الغوطة بأضعاف ما هو سعرها في مدينة دمشق، فإنّ النظام قد تمكّن في تلك الأثناء من إنهاء ملفّات ضواحي دمشق الأخرى: وادي بردى وداريّا والمعضميّة ومدينة التلّ، التي باتت خالية من قوّات المعارضة.

ويخشى سكّان الغوطة من حصار قاس عليهم، وفق ما قال لـ"المونيتور" الناشط عمّار البوشي الذي يقيم في مدينة عربين، لا سيّما أنّ قوّات المعارضة خسرت في أيّار/مايو من عام 2016 القطاع الجنوبيّ للغوطة، وهو منطقة استراتيجيّة خصبة يزرع فيه الجزء الأكبر من احتياجات السكان، الأمر الذي هدّد مخزون الغذاء الاحتياطيّ في الغوطة.

وإذا كان الاقتتال الداخليّ بين المعارضة هو السبب المباشر لخسارتها القطاع الجنوبيّ، السنة الفائتة، فإنّ الاقتتال عاد مجدّداً، وبوتيرة أعنف. وهنا، سأل عمّار البوشي: ما هي المنطقة التي ستسقط بيد النظام هذه السنة بسبب الاقتتال؟ ليستدرك بالإجابة عن نفسه: "القابون"، التي يهاجمها النظام بشكل متواصل منذ أسابيع.

وفي 28 نيسان/إبريل، هاجم "جيش الإسلام"، وهو أكبر تشكيلات المعارضة في الغوطة، مقرّات تابعة لكلّ من "جبهة النّصرة" (القاعدة) و"فيلق الرحمن"، في مناطق: عربين وكفربطنا والأشعري وحزّة.

ورغم تظاهرات خرج فيها الأهالي بالآلاف طالبت بـ"حقن الدماء" و"توجيه البنادق إلى النظام"، فإنّ الاشتباكات لا تزال مستمرّة بين فصائل المعارضة حتّى الأربعاء في 3 أيّار/مايو، وتوسّعت بشكل أعنف في مدينة عربين، حسبما أكّد البوشي لـ"المونيتور".

وقال "جيش الإسلام" إنّ هدف الهجوم هو إنهاء تواجد "جبهة النّصرة" في الغوطة الشرقيّة، وحلّ "هذا الفكر الدخيل الذي جرّ على ثورتنا الويلات"، حسبما وصف بيان صادر عنه في 30 نيسان/إبريل.

وإذ زعم "جيش الإسلام" أنّ هجومه يقتصر على "جبهة النّصرة"، التي فكّكت 70 في المئة من قوّتها في الغوطة، كما ادعى، فإنّ هجومه يشمل أيضاً "فيلق الرحمن"، حيث اتّهم الأخير "جيش الإسلام" بالاستيلاء على مقرّاته في مديرا وبيت سوى وكتيبة الافتريس، ومهاجمة بلدتي زملكا وسقبا، اللتين لا وجود لـ"جبهة النّصرة" فيهما أساساً.

وخلّفت هذه الاشتباكات، حتّى الآن ما يزيد عن 150 قتيلاً من الفصائل، حسبما كشفت لـ"المونيتور" مصادر طبيّة، كان آخرهم نائب قائد "فيلق الرحمن" النقيب أبو نجيب.

ويبدو أنّ "جيش الإسلام" لم يفلح في سعيه إلى التفرّد بالسيطرة على الغوطة، فقد فتح معركة تفوق قدراته، إذ لم يستطع رغم إنزاله الدبّابات حسم المعركة ضدّ "جبهة النّصرة"، حتّى الآن على الأقل، فيما لا يزال "فيلق الرحمن" يتمتّع بقوّة لا يستهان بها.

وممّا لا شكّ فيه، أنّ عدم قدرة "جيش الإسلام" على حسم المعركة لصالحه، ستكون له نتائج سلبيّة على تماسك جبهات المعارضة في الغوطة، فعدا حال التوتر وعدم الثقة التي ستلازم مقاتلي المعارضة، فإنّ الفصائل ستبقى تحسب لهجوم من الخلف، من دون وصول تعزيزات كافية إلى الجبهات التي يهاجمها النظام.

وإنّ خسارة المعارضة المحتملة لأحياء برزة وتشرين والقابون ستتيح للنظام تشديد القبضة على الغوطة الشرقيّة، ثمّ التفرّغ للهجوم عليها، بعد أن تكون المعارضة قد أنهكت من الاقتتال الداخليّ والحصار.

وجد في : jabhat fatah al-sham, syrian opposition, cease-fire, al-rahman corps, damascus, ghouta, syrian civil war
x