نبض لبنان

منحوتات وكلمات تروي معاناة النساء السوريّات

p
بقلم
بإختصار
في "زيكو هاوس" في بيروت، يرافق معرض لمنحوتات نسائيّة مصنوعة من الطين من تنظيم شبكة الصحفيّات السوريّات إطلاق كتاب حول حياة النساء السوريّات

يضمّ "زيكو هاوس"، وهو ملتقى فنيّ متعدّد الاستخدامات في بيروت، منحوتة لامرأة جالسة على كرسيّ تبدو وكأنّها تتلوّى من الألم وترغب في الصراخ. وترمز هذه المنحوتة إلى امرأة سوريّة تدعى ليلى، وهي واحدة من النساء السوريّات اللواتي استوحي من قصصهنّ مزيج من الأشكال والكلمات في حدث مخصّص لرواية القصص نظّمته شبكة الصحفيّات السوريّات في بيروت في 10 أيار/مايو.

وابتكرت التماثيل الصغيرة المصنوعة من الطين الفنّانة السوريّة علا حيدر، التي تعكس منحوتاتها قصص نساء سوريّات تمّ جمعها في كتاب بعنوان "خارج الظلّ". ويتمحور الحدث الذي يستضيفه "زيكو هاوس" حول إتاحة الفرصة للنساء السوريّات لرواية حياتهنّ ونضالهنّ، ورفع الوعي بشأن العنف الجنسيّ.

ويستند الكتاب إلى مقابلات أجريت مع نساء كثيرات في سوريا ولبنان والأردن كجزء من مشروع الحكواتيّات. وتهدف شبكة الصحفيّات السوريّات – وهي منظّمة غير ربحيّة تأسّست قبل أربع سنوات وتعمل مع أكثر من 70 صحافيّاً في بلدان مختلفة – إلى مدّ جسور بين الإعلام والنساء السوريّات بغية تمكين كلّ من الرجال والنساء العاملين في المجال الإعلاميّ.

وقالت الصحافيّة السوريّة ميليا عيدموني، وهي مؤسّسة ومديرة شبكة الصحفيّات السوريّات، لـ "المونيتور": "أردنا تغيير صورة المرأة وطريقة معالجة المواضيع المتعلّقة بالنوع الاجتماعيّ والمساواة في الإعلام. فنحن نرى المرأة دائماً كضحيّة – فقيرة وغير متعلّمة. ونادراً ما نسمع عن قصص نساء ناجحات. إنّ هدفنا الرئيسيّ هو بناء صلة وصل بين الصحافيّين السوريّين ونساء يستطعن التحدّث معهم وتقديم النصائح إليهم وتدريبهم على مفهوم النوع الاجتماعيّ عند تغطية الأخبار".

انطلق مشروع الحكواتيّات في العام 2015 بعد أن تحدّث متطوّعون من شبكة الصحفيّات السوريّات مع نساء قابلوهنّ من خلال معارف أو في مؤتمرات وتأثّروا بقصصهنّ.

وقالت علا حيدر، وهي نحّاتة ومصمّمة غرافيك سوريّة مقيمة حاليّاً في اسكتلندا، لـ "المونيتور": "بينما كنتُ أعمل مع وكالة غوث في لبنان وأساعد شبكة الصحفيّات السوريّات، قابلتُ نساء كثيرات أردن إخبار قصصهنّ. فاقترحتُ على بقيّة أعضاء الفريق كتابة مقال عن قصص لنساء ناجحات بمناسبة يوم المرأة العالميّ، لكنّ كلّ امرأة منهنّ قدّمت تفاصيل كثيرة جداً إلى درجة أنّنا عجزنا عن تحرير المقال. فقرّرنا عندئذٍ تسليط الضوء على كلّ قصّة من خلال نشر كتيّب باللغة العربيّة مترجم إلى الانكليزيّة".

ثمّ اقترح أعضاء الفريق فكرة المنحوتات لإضافة وجه إلى الكلمات وصوت لرواية القصص. وقرّروا عرض المنحوتات وإطلاق الكتاب أوّلاً في لبنان، ثمّ في أوروبا.

وأثناء المعرض، يسمع الزائرون صوتاً يروي حياة النساء اللواتي تعرّضن للاغتصاب أو السجن أو الخطف أو التعذيب أو أجبرن على ترك عائلاتهنّ. وتعكس المنحوتات بدورها الحالات التي مرّت بها هؤلاء النساء.

وقالت حيدر: "قرأتُ القصص مرّات متعدّدة وحاولتُ أن أضع نفسي مكان النساء لكي أحدّد ما هو المهمّ في كلّ قصّة وأعكس مشاعرهنّ بشكل أفضل. فصوّرتُ ريم – التي ما زالت تشعر ببرد السجن القارص يخترق جسمها – جالسة بالقرب من جدار. أمّا ليلي، مثلاً، فلا تزال تسمع صراخاً في داخلها، وبالتالي قمتُ بنحت امرأة جالسة على كرسيّ تحاول الصراخ للتعبير عن ألمها".

ويضمّ الكتاب مقطعاً على الشكل الآتي: "لا تزال [ليلى] تعتقد أنّ محنتها هي كمحنة جميع النساء اللواتي يعشن تحت رحمة ذهنيّة ذكوريّة، أكانت قانونيّة أو اجتماعيّة. وإنّ هذه العقليّة هي التي حالت دون تمكّنها من تخطّي الضرر الذي رسم حياتها لسنوات طويلة، لمجرّد أنّها ولدت أنثى".

بالنسبة إلى علا حيدر، يسمح فنّ رواية القصص لهؤلاء النساء بالتعبير عمّا في داخلهنّ. وقالت النحّاتة: "إذا تكلّمن، فلن يشعرن بالسوء. بالإضافة إلى ذلك، ستكون قصصهنّ أشبه بتوثيق لما حصل للنساء أثناء الانتفاضة ضدّ [الرئيس السوريّ] بشار الأسد، خصوصاً أولئك اللواتي تعرّضن للسجن. ففي النهاية، تتمحور القصص جميعها حول نساء يحاربن القوانين الذكوريّة".

وقالت عيدموني: "حتّى الآن، لا يزال التكلّم عن العنف الجنسيّ من المحرّمات في سوريا. نأمل أن يشجّع هذا المشروع النساء على التكلّم والبحث عن دعم والشعور بأنّهنّ لسن لوحدهنّ. ولعلّه يصل أيضاً إلى صانعي السياسات السوريّين – الذين قد يقرّرون فتح ملاجئ للنساء، مثلاً".

ومن النواحي الإيجابيّة الأخرى لرواية قصص النساء السوريّات التأثير الذي قد تخلّفه هذه القصص لدى سكّان الدول الغربيّة المضيفة.

في هذا السياق، قالت حيدر: "قد يكون ذلك مفيداً لصورة اللاجئين في الإعلام، خصوصاً في أوروبا. فنظرة الناس إلى المرأة السوريّة محدودة جداً... محجّبة وتبقى في المنزل للاعتناء بالأولاد. هذا ما أراه في اسكتلندا على الأقلّ. لا يصدّقون حتّى أنّني سوريّة لأنّني لستُ كما يعتقدون. لكنّهم سيرون أنّ النساء يحقّقن أموراً معيّنة – في سوريا وفي بلدان أخرى".

إنّ هذه الفكرة نفسها هي التي دفعت الحكواتيّة الألمانيّة رايتشل كلارك، مخرجة “Storytelling Arena" في برلين، إلى البحث عن نساء سوريّات للمشاركة في حدثها الشهريّ الخاصّ برواية القصص.

وقالت كلارك لـ "المونيتور": "في آب/أغسطس 2015، وصل لاجئون سوريّون كثيرون إلى ألمانيا، وتطوّعتُ كمعلّمة ألمانيّة. وعندما بدأ تلاميذي يشاركونني قصصهم، طلبتُ من البعض منهم رواية قصصهم أثناء الأحداث التي أنظّمها لرواية القصص. وقد حقّقت تلك الأحداث نجاحاً، فتواصلتُ – من خلال شبكتي – مع نساء وافقن على مشاركة قصصهنّ على خشبة المسرح".

وقد أدّى هذا العمل إلى تنظيم حدث في تشرين الأول/أكتوبر 2016 بمشاركة نساء ليس إلا. وقالت حيدر: "قابلتُ رنا، وهي رسّامة روت أنّها أرادت أن تصبح رسّامة في صغرها. كانت تخبّئ رسوماتها وفرشها عن والدتها. وشجّعها زوجها على نيل شهادة في الفنون الجميلة والاستمرار في الرسم. عندما بدأت تروي قصّتها على المسرح، نسي الناس حجابها وتعاطفوا مع قصّتها، ما جعلنا أيضاً ندرك أنّنا قادرون على تخطّي الأفكار النمطيّة حول سيطرة الرجل العربيّ على حياة المرأة".

وبالتالي، يمكن أن تكون القصص الشخصيّة التي ترويها النساء على خشبة المسرح أو تعيد شبكة الصحفيّات السوريّات روايتها وسيلة للتواصل والتعبير وكسر الأفكار النمطيّة الناجمة عن الحرب السوريّة.

وجد في : women and islam, women's role, integration, exhibition, art, syrian refugees, syrian civil war, germany

فلورانس ماسينا هي صحفيّة مقيمة في بيروت تكتب حول المسائل الاقتصاديّة، والثقافيّة والاجتماعيّة. درست العلوم السياسيّة والصّحافة في تولوز في جنوب فرنسا، وهي تسافر متنقّلة في المنطقة منذ العام 2010. تركّز ماسينا بشكل أساسي على التراث وقضايا المرأة، فضلاً عن تقديم أفكار إيجابية للبنان.

x