نبض العراق

استاند آب كوميدي يتناول الفساد السياسي والاجتماعي في العراق

p
بقلم
بإختصار
برز في العراق شبّان يسخرون من الظواهر الإجتماعيّة والسياسيّة، وغالبيّتهم تعمل بجهود فرديّة في إنتاج مقاطع فيديو تنشر على مواقع التّواصل الإجتماعيّ، حيث تحظى بتفاعل كبير من قبل المجتمع العراقيّ، الذي يبدو أنّه يسرّ بعرض همومه بطريقة الكوميديا السوداء.

"درس الكاراتيه لا ينفع في العراق، فهناك طرق عدّة للدفاع عن النفس، منها صديق برتبة ضابط في جهاز أمنيّ يلوذ عنك بالمشكلات، وتوثيق العلاقة مع شيخ العشيرة لينوب في المجالس القبليّة في حال حصول نزاع عشائريّ، والحصول على سلاح غير مرخّص تحسّباً لحدوث مشكلة تستدعي استعماله"، هكذا سخّر أحمد وحيد الستاند آب كوميديّ العراقيّ في فيديو طريف على موقع التّواصل الإجتماعيّ "فيسبوك"، نظراً لانفلات الوضع الأمنيّ في البلاد.

وخلال 4 ساعات من نشر مقطع "الكاراتيه" على صفحة وحيد في "فيسبوك"، حصل على نحو 27 ألف مشاهدة، وحوالى 136 مشاركة وأكثر من 200 تعليق. ورغم اعتزاز وحيد بهذه التجربة، إلاّ أنّه يسعى إلى أن تكون عروضه متفاعلة مع جمهور يحضر إلى مسرح، ويتلقّى العرض بشكل مباشر، وهذا لأنّه يعدّ العراقيّ الأوّل الذي يستعمل طريقة الستاند آب كوميديّ للسخرية من الأوضاع السياسيّة والظواهر الإجتماعيّة.

وسبق لوحيد أن قدّم نحو 10 عروض في مختلف مدن العراق، وكان أوّلها في محافظة البصرة - أقصى جنوب العراق، حيث ولد في عام 1983 ويعيش. وقد سبق له أن تعاقد مع قناة NRT المحليّة وبثّ حلقتين من برامج باسم "أش"، وتعني في اللّهجة المحليّة العراقيّة "لا تتكلّم"، إلاّ أنّه توقّف عن ذلك.

وعن هذه التجربة، قال وحيد في حديث لـ"المونيتور": "أعتزّ بها، وما زلت أحاول تكرارها، إلاّ أنّني توقّفت عنها لأنّي أردت عملاً مسرحيّاً في وقتها يكون برنامجاً أسبوعيّاً". أضاف: "وجدنا في البصرة جمهوراً، ولكن لم تجد القناة تقنيّات ترى أنّها مناسبة لجودة بثّها. وعندما حوّلت القناة العمل إلى منطقة أخرى من العراق كسبت التقنيّات، لكنّنا خسرنا عامل الجمهور، فتوقّفنا عن إنتاج حلقات أخرى حتّى توصّلنا إلى معادلة توفّر التقنيّات والجمهور معاً".

وعادة، تغصّ القاعة التي يقدّم فيها وحيد عرض ستاند آب كوميديّ بالجمهور، الذي لا يكفّ عن الضحك بصوت عالٍ، حيث يسخر وحيد من بعض الأعراف البالية أو يقلّد حديث السياسيّين وينتقدهم. ولقد تمّ تصوير بعض هذه العروض وبثّت على موقع "يوتيوب" وحظيت بمشاهدات كبيرة تعدّت حاجز الـ500 ألف مشاهدة.

وعن هذه التجربة، قال وحيد: "اقتنصت الستاند آب كوميديّ الشهير جدّاً في الخارج، وحتّى في دول الخليج العربيّ، ووجدت أنّه غير معمول عليه في العراق، لكنّ المهمّة الأكبر تكمن في كيفيّة إعطائه طعماً عراقيّاً وعدم تناوله على الطريقة الأجنبيّة".

أضاف: "تلقّف الجمهور فكرة الستاند آب كوميديّ بحماس وتفاعل مع طرحه الجريء، لكونه يختلف في نوع الكوميديا عن غيره من الفنون، إذ أنّه يعمل على إيضاح الواقع وإعطائك ملاحظات عن حياتك تراها ولم تنتبه إليها. وهنا، يكون سبب الضحكة والتفاعل".

وبرز في العراق شبّان يسخرون من الظواهر الإجتماعيّة والسياسيّة، وغالبيّتهم تعمل بجهود فرديّة في إنتاج مقاطع فيديو تنشر على مواقع التّواصل الإجتماعيّ، حيث تحظى بتفاعل كبير من قبل المجتمع العراقيّ، الذي يبدو أنه يسرّ بعرض همومه بطريقة الكوميديا السوداء.

هناك برامج عراقيّة ساخرة تبثّ على قنوات تلفزيونيّة عراقيّة وعالميّة، مثل برنامج "ولاية بطيخ" الذي يبثّ على قناة "هنا بغداد" المحليّة، ويعلّق بطريقة ساخرة على الظواهر الإجتماعيّة مثل حالات الطلاق المتفاقمة والفساد في مؤسّسات الدولة، وأيضاً برنامج "البشير شو" الذي يبثّ على قناة DW الألمانيّة، والذي يطغى عليه الطابع السياسيّ ويبدو أكثر جرأة في نقد السياسيّين بسبب تصويره في العاصمة الأردنيّة عمّان.

بيد أنّ وحيد يظلّ اللاّعب الوحيد على مسرح الستاند آب كوميديّ، وعزا هذا الأمر إلى أنّ "عروض الستاند آب كوميديّ تعتمد على السخرية أكثر من الكوميديا، إذ أنّ السخرية تستلزم النقد قبل الضحك. أمّا الكوميديا فهي ما يقدّم من موادّ تدعو إلى الضحك فقط".

وفي العادة، يتناول وحيد القضايا الإجتماعيّة ويناقش الإشكالات الدينيّة، إلاّ أنّ السياسة تبدو شغله، وقال: "تركيزي على الشأن السياسيّ جاء لأنّ السياسة هي التي شوّهت مجتمعنا وأدياننا وحياتنا وفكرنا وثقافتنا، فلا بدّ من إصلاحها أوّلاً أو نقدها كمرحلة أولى، ثمّ التوجّه لمعالجة شؤون المجتمع من خلال الأعمال الفنيّة".

لا يتوقّف الإعجاب بوحيد على الكثير من العراقيّين، وإنّما الشخصيّات السياسيّة التي قلّدها أعجبت به أيضاً، إذ قال: "التقيت بالكثير ممّن قلّدتهم أو ذكرتهم في أعمالي وكانوا يضحكون، لأنّي أدرك جيّداً كيف أكون ناقداً، ولكن غير جارح، ولا أحطّ من قدر الشخص الذي أتناوله".

وعلى هذا الأساس، لم يتلقّ تهديدات من سياسيّين، إلاّ أنّ هناك جانباً جلب التجريح، إذ قال: "عند تناولي قضايا يعتقد المتابع أنّ فيها مساساً بجانب دينيّ، فهنا يبدأ الكلام والتجريح وإطلاق العبارات القاسية".

واليوم، يواجه وحيد صعوبة في إيجاد مكان لتقديم عروض الستاند آب كوميديّ، ويصفها بـ"الصعوبة الأهمّ في هذه الأيّام"، وقال: "المسارح غالبيّتها حكوميّة، والكثير منها لا يتحمّل طرح عرض ساخر يتناول الملفّات الحمراء. ولذلك، تعمل المسارح حاليّاً على طلب النصّ لفحصه قبل السماح بتنفيذه، وهذا ما لا أقبل به".

ويبدو أنّ وحيد سيظلّ متفرّداً في الستاند آب كوميديّ، إذ أنّه لا يحاول العمل على ورش لتدريب شبّان لتقديم عروض مشابهة، وقال: "هذا الفنّ إمّا أن تحبّه وتجده ينسجم مع رؤيتك في تقديم الأعمال وستجد نفسك جاهزاً لتقديم نوع كهذا من الفنون، وإمّا لا تجد نفسك فيه. وفي هذه الحال، لن تفيدك ألف ورشة لتكون شخصاً ساخراً". 

وجد في : arts, performance, satire, iraqi youth, comedy, theater, standup, politics
x