نبض فلسطين

هل تنجح حماس بوثيقتها الجديدة في فتح أبواب العواصم المغلقة أمامها؟

p
بقلم
بإختصار
تسعى حماس من خلال وثيقتها السياسيّة الجديدة والتي أطلقتها في 1 أيّار/مايو الجاري إلى فتح أبواب عواصم غربيّة وعالميّة كانت مغلقة في وجهها، وتقديم نفسها على أنّها حركة تحرّر وطنيّ، وليست حركة إرهابيّة كما يتّهمها بعض الدول الغربيّة.

مدينة غزّة، قطاع غزّة – أعلن رئيس المكتب السياسيّ السابق لحركة حماس خالد مشعل في 1 أيّار/مايو الجاري وثيقة "المبادئ والسياسات العامّة" الجديدة لحركة حماس، وذلك خلال مؤتمر صحافيّ عقده في فندق شيراتون في العاصمة القطريّة الدوحة، في حضور قيادات من الحركة وشخصيّات إعلاميّة وسياسيّة فلسطينيّة وعربيّة.

وجاءت الوثيقة في 42 بنداً، كان أهمّها تعريف بالحركة، وإعلانها في شكل رسميّ قبول حماس دولة فلسطينيّة على حدود حزيران/يونيو 1967، من دون التنازل عن باقي الأراضي المحتلّة في عام 1948، إضافة إلى تقديم الحركة نفسها كحركة تحرّر ومقاومة وطنيّة فلسطينيّة، من دون الإشارة إلى مرجعيّتها التنظيميّة والفكريّة لجماعة الإخوان المسلمين.

وذكر مشعل في تصريحات له نشرتها وكالة قدس برس في 5 أيّار/مايو أنّ الوثيقة الجديدة لحماس تريح حلفاءها (تركيا وقطر وبعض الدول والأحزاب حول العالم)، وتسهّل عليهم مهمّة حمل تلك الوثيقة إلى كلّ المنابر الإقليميّة والدوليّة. وذلك في إشارة إلى بعض المواقف اللينة التي وضعتها حماس في الوثيقة وكانت بعض الدول الحليفة تطالبها بتبنيها كالقبول بدولة فلسطينية على حدود حزيران 1967.

ووصف الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان في 8 أيّار/مايو الجاري خلال كلمة له في مؤتمر القدس المنعقد في اسطنبول، الوثيقة بأنّها خطوة مهمّة سواء من أجل القضيّة الفلسطينيّة أم من أجل التوافق بين حركتي حماس وفتح، معتبراً أنّ الطريق الوحيد لحلّ الصراع الفلسطينيّ–الإسرائيلي هو إقامة دولة فلسطينيّة مستقلّة ذات سيادة، عاصمتها القدس الشرقيّة، ضمن حدود الـ1967.

كشف القياديّ في حركة حماس سامي خاطر لـ"المونيتور" أنّ إعداد الوثيقة الجديدة استغرق 4 سنوات، شاركت في صياغتها وإقرارها مؤسّسات الحركة الشوريّة والتنفيذيّة، وجاءت كتعبير عن تطوّر فكر حركة حماس السياسيّ وأدائها خلال سنوات طويلة (30 عاماً).

وشدّد خاطر على أنّ الوثيقة الجديدة تمثّل خارطة طريق وحاكمة لسلوك القيادة الجديدة للحركة، مشيراً إلى أنّ الهدف العامّ من الوثيقة هو التعبير عن مبادئ الحركة وسياساتها، والخروج بورقة سياسيّة جديدة في ظلّ السنوات الطويلة الماضية التي لم تصدر خلالها الحركة أيّ وثيقة سياسيّة. فحماس منذ انطلاقتها أصدرت وثيقة سياسية واحدة أطلق عليها اسم "ميثاق حماس" عام 1988، وكانت تحمل بين دفتيها مواقف الحركة من القضايا المختلفة السياسية والاجتماعية والدينية، واكتفت بها إلى أن أطلقت وثيقتها السياسية الجديدة قبل أيام.

ونفى خاطر أن يكون لإطلاق الوثيقة أيّ علاقة بطرح حماس نفسها كبديل عن حركة فتح أو منظّمة التحرير الفلسطينيّة لقيادة المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ، معتبراً ردود الفعل الرسميّة وغير الرسميّة محلّيّاً وإقليميّاً وعالميّاً على الوثيقة، أمراً طبيعيّاً، وتحديداً ما صدر عن رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيليّ قد عبّر عن جام غضبه من الوثيقة التي قام بتمزيقها وإلقائها في سلّة القمامة خلال مقطع فيديو مصوّر له نشره الناطق باسمه أوفير جندلمان في 7 أيّار/مايو الجار. ووصف نتنياهو الوثيقة بأنّها خدعة من حماس إلى العالم، وبأنّ هدف الحركة هو إقامة دولة فلسطينيّة على حدود الـ1967، بهدف تدمير دولة إسرائيل.

فيما قالت الخارجية الأمريكية وعلى لسان مصدر لم تكشف هويته لوكالة الأناضول التركية في 2 مايو الجاري: "موقفنا من حماس لم يتغير، حماس ما زالت مدرجة كمنظمة إرهابية"، فيما رأى رئيس لجنة العلاقات البرلمانية الأوروبية مع فلسطين "نيوكليس سيلكيوتيسان" لوكالة الأناضول في 4 مايو الجاري أن التغيير في موقف حماس يساعدهم على العمل لرفع الحصار الذي أدى إلى وضع كارثي على السكان، مضيفاً: "علينا أن ننهي هذا الحصار".

أمّا أحمد يوسف المستشار السياسيّ السابق لرئيس الوزراء الفلسطينيّ اسماعيل هنية، فأوضح أنّ وثيقة حماس الجديدة تقدّم رؤية يتجسّد فيها البعد الإنسانيّ والحضاريّ والأخلاقيّ لحركة تحرّر وطنيّ، بما تمثّله من خلفيّات إسلاميّة، مشيراً إلى أنّ التغيّرات الدوليّة والإقليميّة تحديداً، وما خسرته الحركة من حلفاء خلال العقد الأخير كـ(سوريا) تحتاج إلى تقديم رؤية سياسيّة جديدة بهدف ترميم تلك العلاقة وكسب حلفاء جدد.

وبيّن يوسف لـ"المونيتور" أنّ القوانين الأوروبيّة والغربيّة التي سنّت ووضعت حماس على قوائم الإرهاب تحتاج إلى أن تقوم قيادة حماس الجديدة بجهد كبير من خلال تلك الوثيقة، وحملها إلى عواصم العالم بهدف تسوقيها لنزع كلّ التهم التي ألصقت بالحركة، وأدّت إلى وضعها على قوائم الإرهاب.

ولفت يوسف إلى أنّ حماس ومنذ دخولها السلطة الفلسطينيّة بعد فوزها في الانتخابات البرلمانية عام 2006، ساد على خطابها الطابع السياسيّ أكثر من الدينيّ، وهو ما انعكس على سلوك الحركة وأكسبها خبرة سياسيّة دفعها في النهاية إلى تقديم وثيقة سياسيّة تتماشى مع المتغيّرات الإقليميّة والدوليّة، بهدف إنقاذ القضيّة الفلسطينيّة التي أصبح الاهتمام بها ضعيفاً.

من جانبه، توقّع المحلّل السياسيّ والكاتب في صحيفة الأيّام المحلّيّة أكرم عطا الله في حديثه إلى "المونيتور" نجاح حماس بوثيقتها الجديدة في أن تكون مقبولة أكثر من الماضي لدى العديد من دول العالم، لا سيّما الغربيّة منها، مشيراً إلى أنّ حماس بتلك الوثيقة انتقلت من إيديولوجيا الميثاق القديم ونصوصه التي أخذت الطابع الدينيّ كـالارتباط بجماعة الاخوان المسلمين وصبغ كثير من المواقف فيه بآيات قرآنية وأحاديث نبوية إلى ممارسة السياسة البحتة.

وبيّن أنّ شروط دول العالم كي تكون حماس جزءاً من النظام الدوليّ هي أبعد ما تكون عن تلك الوثيقة، إلّا أنّ الأخيرة تشكّل أرضيّة مناسبة للعديد من الدول لفتح حوارات مع الحركة للضغط على الأخيرة كي تقدّم المزيد من المرونة، منوّهاً بأنّ تلك الوثيقة ستفتح بعض أبواب العواصم المغلقة أمام حماس وليس كلّها، وذلك في إشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدولة العظمى.

واستحسن عطا الله اختيار اسماعيل هنيّة في 6 أيّار/مايو الجاري من قبل حماس لقيادتها، في ظلّ إطلاق الوثيقة الجديدة، قائلاً: "وثيقة جديدة في حاجة إلى قيادة جديدة يكون في مقدورها حمل تلك الوثيقة والعمل على تسويقها إقليميّاً وعالميّاً بهدف النجاة بالحركة، في ظلّ معاداة الدول الغربيّة، وفي مقدّمتها الولايات المتّحدة الأميركيّة، منظّمات الإسلام السياسيّ في المنطقة العربيّة".

أمّا أستاذ العلاقات الدوليّة والسياسيّة في الجامعة الإسلاميّة في غزّة تيسير محيسن فرأى في حديث إلى "المونيتور" أنّه من السابق لأوانه القول إنّ وثيقة حماس السياسيّة ستحدث نقلة نوعيّة في طريقة تعاطي المجتمع الدوليّ والدول الغربيّة مع حماس، وفي صورة مغايرة للتعامل الذي يجرى معها الآن.

واعتبر محيسن أنّ المؤشّرات الأوّليّة الغربيّة والأوروبيّة مع الوثيقة تعطي دلالة على أنّه على الرغم من المحاولات المرنة التي قدّمتها حماس، إلّا أنّ المجتمع الدوليّ يريد المزيد من المرونة، وهو ما يحتمّ على حماس القيام بحملة دبلوماسيّة كبيرة ومركّزة لتسويق الوثيقة في شكل جيّد إلى دول العالم المختلفة.

وتحمل الأشهر القليلة المقبلة في طيّاتها الأجوبة التي تنتظرها حركة حماس في مدى قدرة الوثيقة السياسيّة والقيادة الجديدة لحماس على تحقيق ما تسعى إليه الحركة، على الرغم من أنّ التوقّعات السائدة فلسطينيّاً أنّ تلك الوثيقة ستفتح بعض الأبواب المغلقة في وجه حماس وليس كلّها.

وجد في : benjamin netanyahu, two-state solution, muslim brotherhood, 1967 borders, ismail haniyeh, khaled meshaal, hamas

كاتب وصحفي فلسطيني يعمل في مهنة الصحافة منذ 9 سنوات، عمل في العديد من الوسائل الإعلامية الفلسطينية والأجنبية. حاصل على درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بغزة، شارك في إعداد كتاب عن "حصار غزة" لصالح وكالة الأناضول التركية ونشر بعدة لغات.

x