نبض العراق

التعليم الأهليّ يفاقم مشاكل التعليم في العراق ويزيد من نسبة البطالة

p
بقلم
بإختصار
يتظاهر العشرات من الطلاّب بين فترة وأخرى للضغط على الحكومة من أجل القبول بشهاداتهم الصادرة من الكليّات الأهليّة غير المعترف بها، بينما تؤكّد الجهات المختصّة أنّ التعليم الأهليّ يحتوي على مشاكل كبيرة جدّاً، منها العشوائيّة في القبول وغياب الرصانة العلميّة.

بغداد - تظاهر العشرات من طلاّب كليّة "مزايا الأهليّة" في 8 آذار/مارس أمام مبنى الكليّة للضغط على المسؤولين في وزارة التعليم العاليّ والبحث العلميّ للاعتراف بشهاداتهم من أجل أخذ نصيبهم من سوق العمل.

لقد تخرّج محمّد الغزيّ من كليّة "مزايا" في محافظة ذي قار قبل عامين، إلاّ أنّ الكليّة رفضت منحه شهادة التخرّج في حجة تدقيقها من قبل وزارة التعليم العاليّ والبحث العلميّ، وقال الغزيّ لـ"المونيتور": "أنفقت ملايين الدنانير في كليّة مزايا للحصول على شهادة هندسة الحاسبات. وبعد اكتمال السنوات الأربع، تبيّن أنّ الكليّة غير معترف بها، وشهاداتها لا تساوي شيئاً في سوق العمل".

أشار إلى أنّ "الطلاّب عندما علموا بأنّ الكليّة غير معترف بها نظّموا تظاهرات للضغط على وزارة التعليم العاليّ للاعتراف بها، والتي قرّرت أخيراً امتحان جميع طلاّب الكليّة باختبار الكفاءة"، وقال: "إنّ العديد من الطلاّب لم تظهر أسماؤهم لتأدية اختبار الكفاءة".

خرج العراق في 27 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2016 من مؤشّر دافوس لجودة التعليم العاليّ، وذلك بسبب عدم توافر أبسط معايير الجودة. ويمتلك العراق 52 جامعة أهليّة و35 جامعة حكوميّة. ورغم هذا العدد الكبير، إلاّ أنّ الجامعات الأجنبيّة والمؤسّسات العالميّة بعد عام 2003 لم تعد تعترف بالشهادة العراقيّة، بسبب غياب الرصانة العلميّة، ويطلب من العراقيّين التقدّم إلى امتحان الكفاءة لتحديد مستواهم العلميّ.

قبلت الكليّات الأهليّة الطلاّب بشكل عشوائيّ وغير مدروس، فإنّ الطالب الذي تخرّج من القسم الأدبيّ أو التجاريّ والصناعيّ سمحت له بالدراسة في الأقسام الطبيّة، وهذا مخالف للضوابط. كما تعود الكليّات بغالبيّتها إلى الأحزاب السياسيّة الحاكمة بهدف تمويل نشاطاتها. ويعتبر العراق من البلدان الأغلى في أجور الدراسة.

وإزاء ذلك، قال المتحدّث باسم وزارة التعليم العاليّ والبحث العلميّ حيدر العبودي لـ"المونيتور": "إنّ التعليم الأهليّ بدأ في العراق منذ عام 1988، وهناك قانون ينظّم عمله، ويتمّ تأسيس الجامعة أو الكليّة عبر طلب يقدّمه المستثمر ويرفعه وزير التعليم العاليّ إلى مجلس الوزراء، ويتمّ ذلك أيضاً بعد استكمال متطلّبات التسجيل، وحاجة سوق العمل التي تحتاج إلى الكليّات التخصصيّة". أضاف: "إنّ شروط تأسيس الجامعات هي توفير المتطلّبات الماديّة والبشريّة والعلميّة، وألاّ تقلّ مساحة الكليّة عن 7500 متر مربّع، والقسم 2500 متر مربّع".

وأشار إلى أنّ "المشكلة الحاليّة في التعليم الأهليّ أنّ هناك كليّات قبلت الطلاّب من دون أن تحصل على اعتراف، وخالفت الضوابط، مثل طالب تخرّج من الفرع الأدبيّ في الدراسة الإعداديّة وحصل على قبول في الأقسام الطبيّة"، لافتاً إلى أنّ "وزارة التعليم شكّلت لجنة عليا للنظر إلى مشاكل الطلاّب، الذين قبلوا بالكليّات الأهليّة قبل الاعتراف بها، وقرّرت إخضاعهم إلى امتحان الكفاءة، مع إبعاد الطلاّب الذين قبلوا خلافاً للضوابط العلميّة"، وقال: "إنّ الوزارة عالجت 3 آلاف حال من الطلاّب، الذين قبلوا في الكليّات الأهليّة قبل الاعتراف بها".

وأكّد أنّ "الوزارة تسعى جاهدة إلى تعزيز الرصانة العلميّة في التعليم الأهليّ وخضوعه إلى التصنيف العالميّ من خلال نشر البحوث والمختبرات، خصوصاً أنّ القبول في التعليم الأهليّ أصبح إلكترونيّاً".

لقد أصدرت وزارة التعليم العاليّ والبحث العلميّ بياناً في ١٣ آذار/مارس الحاليّ أكّدت فيه وجود 15 كليّة ومعهداً تعمل في العراق بصورة غير شرعيّة، ودعت وزارة الداخليّة إلى إغلاقها مع تحذير الطلاّب من عدم التقدّم إليها في العام الدراسيّ المقبل.

يعيش العراق تدنياً كبيراً في التعليم، ويلجأ أصحاب المعدّلات الضعيفة، الذين لم تقبل بهم الجامعات والمعاهد الحكوميّة، إلى الكليّات الأهليّة. كما أنّ النجاح في الجامعات الحكوميّة والأهليّة أصبح مضموناً بسبب الرشاوى وضعف الرصانة العلميّة.

وأشار المدرّس في جامعة بغداد فرات جمال في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ "الطلاّب الضعفاء من الناحية العلميّة يلجأون إلى الكليّات الأهليّة لضمان النجاح واستسهال العمليّة التدريسيّة"، وقال: "إنّ الفوضى التي حصلت في التعليم الأهليّ تعود إلى السياسيّين لأنّ المتنفّذين منهم أسّسوا كليّات لتمويل نشاطاتهم الحزبيّة من دون النظر إلى سمعة البلد والرصانة العلميّة".

ولفت إلى أنّ "هناك جامعات أهليّة أنشئت على أساس إسلاميّ وتدريس الشريعة الإسلاميّة، إلاّ أنّها تقوم من دون سابق إنذار بفتح أقسام علميّة، وهذا أمر مخالف للضوابط"، وقال: "إنّ التعليم في العراق انحدر بشكل كبير جدّاً بسبب غياب الرقابة من قبل الجهات المسؤولة وعدم اتّخاذ القرارات التي تصب في صالح المؤسّسة التعليميّة".

ورأت لجنة التعليم النيابيّة أنّ التعليم الأهليّ عظّم مشاكل العراق ورفع نسبة البطالة، نظراً لغياب التنسيق مع الجهات الحكوميّة. وفي هذا الإطار، قالت مقرّرة اللجنة عبير الحسيني لـ"المونيتور": "إنّ التعليم الأهليّ تسبّب بمشاكل عديدة للبلد، منها تدنّي مستوى التعليم وزيادة نسبة البطالة، نتيجة فتح الكليّات والجامعات بشكل عشوائيّ من دون دراسة جدوى". أضافت: "إنّ كليّات أهليّة عدّة خدعت الطلاّب وقبلت بهم من دون الحصول على اعتراف من وزارة التعليم العاليّ، وأصبح مصير الطلاّب مجهولاً، رغم إنفاق ملايين الدنانير". 

وتابعت: "إنّ خرّيجي التعليم الأهليّ بغالبيّتهم يتمتّعون بمستوى علميّ ضعيف، ليس بمستوى الشهادة التي يحملونها، وذلك لسهولة النجاح فيه. كما يحصلون على معدّلات عالية لدراسة الماجستير ومنافسة طلاّب التعليم الحكوميّ الذين لديهم مستوى علميّ أعلى منهم". وأوضحت أنّ "الجهات التنفيذيّة والتشريعيّة تسعى حاليّاً إلى إعادة الرصانة للتعليم بهدف تصنيفه دوليّاً، بعد أن تراجع في السنوات الماضية".

يتعرّض التعليم العراقيّ لانتكاسة كبيرة جدّاً، نتيجة تدخّل السياسة والفساد في مفاصله مع ضعف الاهتمام الحكوميّ به، والذي خصّص له خلال العام الحاليّ 1.9 مليار دولار فقط، إضافة إلى أنّ الكليّات الأهليّة كلّها غير مصنّفة دوليّاً. ولذلك، يتطلّب من الجهات المعنيّة إغلاق الكليّات ذات المستوى الضعيف جدّاً وتفعيل الشراكات والتوأمة مع الجامعات العالميّة وإنشاء المختبرات وحثّ الطلاّب والأساتذة على نشر البحوث العلميّة في المجلات العالميّة.

وجد في : private sector, education systems, education reform, corruption, university graduates, universities, higher education, iraqi government

سلام زيدان صحفي عراقي مختص في مجال الاقتصاد عمل في العديد من وسائل الاعلام المحلية والدولية منها الجزيرة والعربي الجديد.

x