نبض فلسطين

هل تكون فلسطين المحطّة الجديدة لتنظيم الدولة الإسلاميّة؟

p
بقلم
بإختصار
أعلنت إسرائيل قبل أيّام زيادة أعداد المعتقلين لديها بتهمة الانتماء إلى تنظيم الدولة الإسلاميّة بين مواطنيها العرب، بالتزامن مع الإعلان بين حين وآخر عن وجود بعض العناصر من التنظيم في الضفّة الغربيّة، مع اعتقال عدد آخر منهم في قطاع غزّة. مقالي يناقش زيادة نفوذ التنظيم في فلسطين، على الرغم من ملاحقته من قبل حماس والسلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، ومن أين يستمدّ قوّته، وكيف يدير أموره التنظيميّة، ويحصل على الدعم اللوجستيّ؟

فيما تتواصل الحرب على تنظيم الدولة الإسلاميّة في سوريا والعراق، وتستمرّ المعارك الضارية بين التنظيم والجيش المصريّ في سيناء، يبدو أنّ التنظيم بدأ يوجّه جهوده نحو الأراضي الفلسطينيّة وإسرائيل.

فقد ذكرت صحيفة هآرتس في 26 شباط/فبراير أنّ إسرائيل اعتقلت 83 شخصاً ينتمون إلى تنظيم الدولة الإسلاميّة، خلال العام الماضي 2016، وهم من مواطنيها العرب، وتم اعتقالهم من بلدات عربية مختلفة داخل إسرائيل، أو من الضفة الغربية، لاتّصالهم بالإنترنت مع نشطاء التنظيم في الخارج، وتخطيطهم هجمات داخلها، وتمّ اعتقال بعضهم قبل أن يغادروها، في طريقهم إلى العراق وسوريا للقتال في صفوف التنظيم، واعتقل آخرون لدى عودتهم من تلك الساحات.

واعتقلت السلطة الفلسطينيّة في 9 كانون الثاني/يناير 22 سلفيّاً وجهاديّاً في الضفّة الغربيّة، بعد شكوك باستعداد بعضهم لتنفيذ هجوم بسيّارة مفخّخة ضدّ أهداف إسرائيليّة.

أمّا في غزّة، فأصدر أهالي عشرات المعتقلين السلفيّين في 11 آذار/مارس، الذين تعتقلهم وزارة الداخليّة التابعة إلى حماس منذ كانون الأوّل/ديسمبر، بياناً طالبوا فيه بالإفراج عنهم، ورفضاً لسياسة الاعتقال في حقّهم.

قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأمّة في غزّة حسام الدجني لـ"المونيتور" إنّ "البيئة الفلسطينيّة طاردة لإيديولوجيّة تنظيم الدولة الإسلاميّة، فمعظم من يتبنّى أفكاره يغادر الضفّة الغربيّة وغزّة، ويذهب إلى العراق وسوريا وسيناء. ومن يوجد في فلسطين شباب مؤمنون بمبادئه، ويركّزون على التنظير الفكريّ، نجحوا في تحقيق بعض الاختراقات من خلال استقطاب عناصر جديدة إلى صفوفهم، على الرغم ممّا يواجهونه من تحدّيات تتمثّل في ملاحقة الأمن الفلسطينيّ لهم، مع أنّ حصار غزّة يعتبر حاضنة للجماعات المتطرّفة التي تتمدّد بسهولة داخل أوساط اليأس والفقر، وتكون أطروحاتها منطقيّة في آذان الشباب، الشريحة الأكبر في غزّة".

ربّما لا يوجد تنظيم بالمعنى العضويّ لتنظيم الدولة الإسلاميّة في الأراضي الفلسطينيّة، مقارنة بولاية سيناء في مصر وولاية درنا في ليبيا والرقّة في سوريا والموصل في العراق، مع أنّ أعداد مناصريه من أتباع التنظيمات السلفيّة قد تصل إلى المئات في قطاع غزة تحديدا، مثل تنظيم الشباب السلفي المجاهد، جماعة جند أنصار الله، تنظيم جيش الإسلام، جيش الأمة، جماعة سيف الله، كتائب التوحيد والجهاد، كتائب سيوف الحق، مجلس شورى المجاهدين، وفقا لحديث أبو العيناء الأنصاري، أحد رموز التيار السلفي بالأراضي الفلسطينية بتصريح له في أيار/مايو 2016، من دون وجود أرقام دقيقة لدى أجهزة الأمن الفلسطينيّة.

نفى الناطق باسم وزارة الداخليّة في غزّة إياد البزم لـ"المونيتور" أن "يكون هناك معتقلون على خلفيّة فكريّة لدى أجهزة الأمن، فالاعتقال في حقّ من يحاول المساس بأمن القطاع، مع أنّ الفلسطينيّين كأيّ مجتمع يتأثّرون بالأفكار الإيديولوجيّة، لكنّ وجود الاحتلال الإسرائيليّ على الأراضي الفلسطينية يدفع المجموعات الفلسطينية المسلحة على اختلاف توجهاتها الفكرية لتركيز المواجهة العسكرية معه فقط، وليس تحولها لمواجهة داخلية بين الفلسطينيين، كما هو حاصل في الدول المجاورة، أمثال مصر وسوريا والعراق، ولأنّ وزارة الداخليّة أسلوبها علاجيّ وليس عقابيّ، فنحاول بالإجراءات الأمنيّة والجهد التوعويّ معاً، إقناع الشباب بالعدول عن الأفكار المتطرّفة التي يحملونها".

وفي حين ترفض وزارة الداخلية الفلسطينية الحديث بالتفصيل عن جهودها الأمنية لمواجهة العناصر السلفية في غزة، فقد ذكرت جريدة الأخبار اللبنانية يوم 9 آذار/مارس، أن الأجهزة الأمنية بغزة اعتقلت العشرات من هذه العناصر، وتتراوح أعمارهم بين 19-25 عاما، دون تحديد رقم دقيق لعددهم، وخضع بعضهم مطلع آذار/مارس لمحاكمة عسكرية بتهمة مناهضة النظام بغزة، وحيازة أسلحة غير مرخصة، دون إصدار أحكام نهائية عليهم بعد.

وعقدت الجامعة الإسلاميّة في غزّة، في 7 و8 آذار/مارس المؤتمر العلميّ الدوليّ تحت عنوان "أزمة الفهم وعلاقتها بظاهرة التطرّف والعنف"، وحضر "المونيتور" بعض جلساته، حيث شهد مشاركة حاشدة من العشرات من رجال الدين، وأعضاء المجلس التشريعيّ والوزراء، وأساتذة الجامعات. وطالب ضيف المؤتمر ونائب رئيس المكتب السياسيّ لحماس في غزّة خليل الحية، بمعالجة ظاهرة التطرّف عبر إيجاد بيئة مناسبة لمواجهتها.

وقال مدير الوعظ في وزارة الأوقاف والشؤون الدينيّة في غزّة ورئيس اللجنة التحضيريّة للمؤتمر يوسف فرحات لـ"المونيتور" إنّ "أزمة التطرّف التي يعبّر عنها تنظيم الدولة الإسلاميّة من الآفات الخطيرة المتفاقمة في الحركات الإسلاميّة، وسببها الخطأ في فهم النصوص الدينيّة، والتعامل معها بمنهجيّات غير علميّة تؤدّي إلى نتائج خطيرة تلحق بالإسلام، وتسفر عن العنف والتكفير اللذين لا يقرّهما الإسلام، بسبب الخلل في فهم مسألة الجهاد لدى الجماعات الإسلاميّة التي تتبنّى الغلو والتطرّف، وقد سعت حماس إلى معالجة الظاهرة بالحوارات الفكريّة مع أتباع هذه الجماعات".

حماس تتعامل مع المجموعات السلفيّة في غزّة المؤيدة لتنظيم الدولة، عبر مستويين: الأوّل أمنيّ وقانونيّ يتعلّق بعدم السماح لها بالإضرار في الأمن الداخليّ، والثاني بالحوار الفكريّ لإبعاد العناصر السلفيّة عن التطرّف.

ودأبت إسرائيل على اتّهام منفّذي الهجمات الفلسطينيّة بالانتماء إلى تنظيم الدولة الإسلاميّة، كما جرى مع منفّذ عمليّة الدهس في القدس فادي قنبر في 9 كانون الثاني/يناير، ويعقوب أبو القيعان الذي دهس شرطيّاً إسرائيليّاً في النقب في 19 كانون الثاني/يناير، وأعلن تنظيم الدولة الإسلاميّة مسؤوليّته عن هجوم بالصورايخ استهدف مدينة إيلات في 9 شباط/فبراير.

التقى "المونيتور" بأحد منظّري الفكر السلفيّ المؤيّد لتنظيم الدولة الإسلاميّة في الضفّة الغربيّة، مفضّلاً إخفاء هويّته، حيث قال إنّ "التنظيم الذي يعدّ مناصروه بالمئات من الفلسطينيّين، يرى مشاركة حماس في الانتخابات التشريعيّة في عام 2006، وتنفيذها القوانين الوضعيّة، سلوكاً كفريّاً، وترتكب مخالفة شرعيّة حين تمنح مقاومتها للاحتلال الإسرائيليّ صبغة قوميّة فلسطينيّة، ولا تتحدّث عن العقيدة الإسلاميّة، لأنّ الدين يأمر المسلمين بالحرب لإقامة مجتمع إسلاميّ عالميّ كامل، وليس محصوراً في جغرافيّة في عينها".

لكنّ وزير الأوقاف والشؤون الدينيّة السابق في حكومة حماس وأحد الدعاة الذين يجرون حوارات دائمة مع أنصار تنظيم الدولة الإسلاميّة للعدول عن أفكارهم صالح الرقب، قال لـ"المونيتور" إنّ "أسباب انتشار أفكار تنظيم الدولة الإسلاميّة والتنظيمات السلفيّة تعود إلى الإحباط السياسيّ في فلسطين. ففي إسرائيل، يتعرّض الفلسطينيّون إلى اضطهادها، لا سيّما قانون حظر الآذان الذي أقره الكنيست يوم 8 آذار/مارس، وفي الضفّة الغربيّة تعتقل السلطة العلماء، وتجري التنسيق الأمنيّ مع إسرائيل، وهناك انسداد في أيّ أفق لمقاومة الاحتلال، وفي غزّة يتّهم أنصار التنظيم وباقي التنظيمات السلفيّة حماس بعدم تطبيق الشريعة الإسلاميّة، وقد قمت بلقاء عشرات المعتقلين منهم في مراكز التوقيف في غزّة خلال الفترة الأخيرة، وقد أقنعت بعضهم بالتراجع عن قناعاته تارة، وتارة أخرى أخفقت".

على الرغم من وجود بعض الانتشار لفكر تنظيم الدولة الإسلاميّة بين الفلسطينيّين، فقد كشف استطلاع فلسطينيّ نفّذه معهد العالم العربيّ للبحوث والتنمية "أوراد" في تمّوز/يوليو 2015، أنّ غالبيّة فلسطينيّة ساحقة قدرها 93% تعتقد بأنّ التنظيم لا يمثّل الإسلام الحقيقيّ، وممارساته غير مبرّرة.

لكنّ مسؤولاً أمنيّاً في الضفّة الغربيّة، أخفى هويّته، قال لـ"المونيتور" إنّه "لا وجود للتنظيم في الضفّة الغربيّة، لأنّه بالنسبة إلى الفلسطينيّين هو إرهابيّ، وإن توافرت معلومات أنّ هناك شخصاً ينتمي إليه، سنلقي القبض عليه، وحتّى اليوم لم ينجح التنظيم في تكوين أيّ نواة لخليّة عسكريّة له، وتلقّينا تعليمات مشدّدة من أعلى المستويات السياسيّة والأمنيّة في السلطة للتعامل بمنتهى الحزم مع أيّ ظواهر تتعلّق بنشوء خلايا تابعة إلى التنظيم في الضفّة الغربيّة".

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x