نبض فلسطين

للمرّة الأولى منذ 10 سنوات... مصر تسمح بإدخال معدّات إنشائيّة ثقيلة إلى غزّة

p
بقلم
بإختصار
السلطات المصريّة تسمح وللمرّة الأولى منذ 10 سنوات بإدخال معدّات إنشائيّة ثقيلة إلى قطاع غزّة، وسط توقّعات بأن تشهد الفترة القليلة المقبلة إدخال المزيد منها، الأمر الذي يأمل من خلاله أصحاب المنشآت الصناعيّة أن تساعد تلك المعدّات في إنعاش الاقتصاد لتعود عجلته إلى الدوران من جديد.

مدينة غزّة، قطاع غزّة – استمراراً لحالة الانفتاح المصريّة الأخيرة تجاه قطاع غزّة، سمحت السلطات المصريّة في 9 آذار/مارس الجاري بإدخال عشرات الشاحنات المحمّلة بالموادّ الإنشائيّة والغذائيّة إلى قطاع غزّة عبر معبر رفح البريّ، إضافة إلى إدخالها وللمرّة الأولى منذ الحصار المطبق على قطاع غزّة شاحنات إنشائيّة ثقيلة، وتحديداً مضخّات الخرسانة والتي حظّرت إسرائيل إدخالها كباقي الموادّ المحظورة منذ 10 سنوات إلى غزّة، كونها تعتبرها ذا استخدام مزدوج.

الشاحنات الإنشائيّة تلك والتي يتوقّع القطاع الصناعيّ في غزّة أن تساهم في سدّ العجز الذي يعاني منه ذلك القطاع في حال واصلت مصر إدخالها إلى قطاع غزّة، أدّت إلى انزعاج إسرائيل التي اعتبرت إدخال تلك الشاحنات إضراراً بمصلحتها لتخوّفها من استخدام حماس تلك الشاحنات والموادّ الإنشائيّة الأخرى في بناء الأنفاق الهجوميّة من غزّة في اتّجاه إسرائيل.

تجدر الإشارة إلى أن العجز ناتج عن تدمير إسرائيل في الحرب الأخيرة على غزة (2014) أكثر من 65 بالمائة من منشآت البناء في قطاع غزة بما تحويه من معدات إنشائية ضخمة.

وجاءت حالة الانفتاح المصريّة تجاه قطاع غزّة في أعقاب الزيارات المتعدّدة التي قامت بها قيادات من حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزّة في بداية كانون الثاني/يناير الماضي إلى مصر ولقائها العديد من المسؤولين المصريّين لتجاوز حالة التوتّر في العلاقة بين الجانبين، والتي ارتفعت وتيرتها مع وصول الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي إلى الحكم في عام 2014، واتّهام القاهرة حركة حماس بالتدخّل في الشأن المصريّ.

أكّد مدير العلاقات العامّة والإعلام في وزارة النقل المواصلات الفلسطينيّة خليل الزيّان أنّ تلك الشاحنات وصلت إلى القطاع الخاصّ في غزّة، بعد اتّصالات أجراها أصحاب شركات الخرسانة مع الشركات المصريّة المتخصّصة في صناعة تلك المعدّات، بعد رفض إسرائيل إدخال مثل تلك الشاحنات إلى غزّة.

وتوقّع الزيّان في حديث إلى "المونيتور" أن تساهم المعدّات الإنشائيّة والهندسيّة الثقيلة التي سمحت مصر بإدخالها إلى قطاع غزّة في تنشيط القطاع الصناعيّ الذي يعاني حالة من الانهيار عقب الحصار الإسرائيليّ المفروض على قطاع غزّة منذ عام 2007، وما تخلّلها من حروب إسرائيليّة ثلاث دمّرت خلالها الكثير من تلك المعدّات، وبطّأت عجلة إعادة إعمار قطاع غزّة.

وأوضح الزيّان أنّ إدخال تلك الشاحنات والمعدّات يتمّ بموافقة وزارة النقل والمواصلات في غزّة، التي تقدّم تسهيلات متعدّدة إلى المستوردين والشركات الفلسطينيّة، مساهمة منها في إعادة تأهيل قطاع الإنشاءات ومصانع الخرسانة في غزّة، متمنّياً أن تواصل مصر إدخال مثل تلك المعدّات خلال الأيّام المقبلة. إن إدخال الشاحنات تم على مدار 3 أيام من فتح معبر رفح البري (6-8 مارس الجاري) ولكن هي المرة الأولى التي يتم فيها إدخال شاحنات ثقيلة من مصر إلى غزة، وبعد إدخال تلك الشاحنات أغلقت مصر المعبر مجدداً وسط توقعات بأن يتم إعادة فتحه بداية الشهر المقبل

من جانبه، ذكر مسؤول اتّحاد الصناعات الإنشائيّة الفلسطينيّ في قطاع غزّة محمّد العصار لـ"المونيتور" أنّ قطاع الإنشاءات في قطاع غزّة في حاجة إلى 20 مضخّة خرسانة على الأقل وضعف ذلك العدد 40 من شاحنات نقل الخرسانة ليتمكّن من سدّ حاجة السوق المحليّة في قطاع غزّة في ظلّ حركة البناء الكبيرة التي يحتاجها القطاع.

وبيّن أنّ العديد من أصحاب شركات الخرسانة يتواصلون في هذه الأيّام مع شركات صناعة المعدّات الإنشائيّة الثقيلة في مصر، من أجل شراء العديد من تلك المعدّات بعد سماح السلطات المصريّة بإدخالها أخيراً إلى قطاع غزّة، مشيراً إلى أنّ سعر الشاحنة الواحدة من تلك الشاحنات يتجاوز النصف مليون دولار، وهو رقم كبير جدّاً مقارنة مع الأسعار المعروضة في السوق الأوروبيّة (بين 100 و150 ألف دولار للشاحنة الواحدة)، ولكنّ منع إسرائيل الفلسطينيّين من استيراد تلك الشاحنات وإدخالها إلى قطاع غزّة اضطرّهم إلى شرائها بسعر كبير من مصر.

وأوضح العصار أنّ اتّحاد الصناعات الإنشائيّة الفلسطينيّ تواصل مع الجانب الإسرائيليّ والسلطة الفلسطينيّة في رام الله في السنوات الأخيرة مرّات عدّة من أجل إدخال تلك المعدّات إلى غزّة، إلّا أنّ إسرائيل ترفض ذلك، وتبرّره بالخوف من أن تستخدمها الفصائل الفلسطينيّة في بناء الأنفاق الهجوميّة.

وتضع إسرائيل منذ فرض الحصار على غزّة في عام 2007، قائمة طويلة بأسماء السلع المحظور إدخالها إلى قطاع غزّة أو ما تسمّيها بـ"مزدوجة الاستخدام" خوفاً من استخدامها في أعمال معادية ضدّها، وتضمّ تلك القائمة الشاحنات والرافعات الثقيلة.

وفي السياق ذاته، قال صاحب مصنع التحرير لصناعة الخرسانة في قطاع غزّة أيمن البحيصي إنّ "33 مصنعاً لصناعة الخرسانة تعاني من عدم قدرتها على تحديث المعدّات الخاصّة بها منذ 10 سنوات"، مشيراً إلى أنّ مضخّات الخرسانة التي يمتلكها يعود تاريخ إنتاجها إلى عام 1988، ويضطرّ إلى إجراء صيانة متواصلة عليها في ظلّ عدم قدرته على استيراد معدّات حديثة.

وأضاف: "تكلفة صيانة المعدّات المتهالكة لديّ تفوق الـ30 ألف شيكل للشاحنة الواحدة، وهو مبلغ في استطاعتي أن أستورد به شاحنة مستعملة، ولكنّها في حالة جيّدة من الجانب الإسرائيليّ كما كان قبل فرض الحصار على قطاع غزّة"، منوّهاً في الوقت ذاته بأنّ قطع الغيار لتلك المعدّات أيضاً تمنع إسرائيل إدخالها إلى قطاع غزّة، ويضطرّ إلى البحث عن قطع قديمة لدى بعض المصانع التي أغلقت أبوابها لشرائها وصيانة المعدّات الخاصّة بمصنعه.

ولفت في حديثه إلى "المونيتور" إلى أنّ سماح مصر بإدخال عدد من الشاحنات الثقيلة إلى القطاع الإنشائيّ والصناعيّ في غزّة و-إن كان قليلاً- إلّا أنّه أعاد الأمل إلى الكثير من أصحاب الشركات ومصانع الخرسانة، في إمكان تحديث ما لديهم من معدّات.

أمّا مدير العلاقات العامّة في الغرفة التجاريّة الفلسطينيّة والمحلّل الاقتصاديّ ماهر الطبّاع، فاعتبر أنّ المعدّات الحديثة التي دخلت إلى غزّة عبر معبر رفح البريّ من مصر ستوفّر كثيراً على أصحابها، عناء صيانة المعدّات القديمة التي من المفترض أنّها خارج الخدمة منذ سنوات، وبالتالي ستزيد من أرباح تلك الشركات.

وأوضح الطبّاع لـ"المونيتور" أنّ قطاع غزّة يحتاج إلى مئات المعدّات الإنشائيّة والصناعيّة الثقيلة لتتمكّن عجلة الاقتصاد من الدوران من جديد، بعد تدهور استمرّ سنوات طويلة بفعل الحصار والحروب الإسرائيليّة المتلاحقة على قطاع غزّة، متوقّعاً أن تشهد الفترة القليلة المقبلة إدخال معدّات في شكل أكبر في ظلّ الحديث عن تبادل تجاريّ تعدّ له مصر مع قطاع غزّة.

يبقى التساؤل الأهمّ لدى أصحاب المصانع والشركات الفلسطينيّة في قطاع غزّة: هل ستستمرّ مصر في إدخال تلك المعدّات إلى غزّة وتساهم في إنعاش الاقتصاد الغزيّ، أم سترضخ إلى الضغوط الإسرائيليّة وتوقف توريدها إلى قطاع غزّة؟

وجد في : war on gaza, trucking, reconstruction, rafah crossing, construction, siege, gaza blockade, gaza strip

كاتب وصحفي فلسطيني يعمل في مهنة الصحافة منذ 9 سنوات، عمل في العديد من الوسائل الإعلامية الفلسطينية والأجنبية. حاصل على درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بغزة، شارك في إعداد كتاب عن "حصار غزة" لصالح وكالة الأناضول التركية ونشر بعدة لغات.

x