نبض سوريا

أحمد الأسير لا يزال نافذاً وهو خلف القضبان

p
بقلم
بإختصار
أقرّ شابّ يُشتبه في أنّه منفّذ الهجوم الانتحاريّ الفاشل في 21 كانون الثاني/يناير في مقهى في بيروت بأنّه إرهابيّ لبنانيّ تابع لتنظيم الدولة الإسلاميّة وأحد أتباع الشيخ السلفيّ أحمد الأسير.

تنتشر أوصاف متضاربة لعمر العاصي الذي قالت الشرطة إنّه حاول تنفيذ عمليّة انتحاريّة في 21 كانون الثاني/يناير في مقهى في بيروت. والعاصي هو، كما يُزعم، الانتحاريّ الثاني المتحدّر من مدينة صيدا في السنوات الأخيرة الماضية.

فصيدا، الواقعة على بعد 25 ميلاً جنوبي بيروت، هي أيضاً مسقط رأس معين أبو ضهر الذي نفّذ الهجوم الإرهابيّ المميت في تشرين الثاني/نوفمبر 2013 ضدّ السفارة الإيرانيّة في بيروت. والرجلان كلاهما من أتباع الشيخ المتشدّد أحمد الأسير الذي هو في السجن حاليّاً، لكنّ المراقبين يقولون إنّ لديه عدداً كبيراً من الأتباع في صيدا، بعضهم أعلن الولاء لتنظيم الدولة الإسلاميّة.  وتقول السلطات اللبنانيّة إنّ العاصي اعترف بأنّه واحد منهم.

ويقول المسؤولون إنّ العاصي دخل مقهى كوستا في شارع الحمرا المزدحم في بيروت وحاول تفجير حزام ناسف محمّل بشظايا وزنها 8 كيلوغرامات قبل أن تعتقله القوى الأمنيّة. ووفقاً لمصادر في وزارة الداخليّة، تمكّنت القوى الأمنيّة من اعتقال العاصي بفضل توقيف عدد من الخلايا الإرهابيّة في صيد وشمال لبنان في كانون الأول/ديسمبر.

وقال مصدر في الوزارة لـ "المونيتور"، طالباً عدم الكشف عن اسمه، إنّ "كفاءة الأجهزة الأمنيّة كبحت نشاط تنظيم الدولة الإسلاميّة. وبات [داعش] يعمل في خلايا صغيرة لامركزيّة".

ونشرت صحيفة "ديلي ستار" في 27 كانون الثاني/يناير إنّ العاصي اعترف بالمخطّط، بحسب مسؤولين عسكريّين لبنانيّين، وأقرّ بأنّه أعلن الولاء لـ "داعش".

ويتحدّر العاصي، الذي كان يعمل ممرّضاً مجازاً في صيدا، من منطقة شرحبيل الهادئة الواقعة في شمال صيدا. وينتشر في هذه المنطقة، التي يقطنها مواطنون من الطبقتين الدنيا والوسطى، باعة وسائقو أجرة وعمّال محدودو الموارد. وقد وصف معظم السكّان الذين تحدّث معهم "المونيتور" العاصي بأنّه رجل مهذّب للغاية.

وقال أحد الجيران لـ "المونيتور"، طالباً عدم الكشف عن اسمه: "يتحدّر من عائلة لطيفة جداً. ولطالما كان مهذّباً ويحبّ مساعدة الآخرين. كان يساعدني في حمل أكياس التسوّق... لم يكن يخرج من منزله إلا للذهاب إلى مكان عمله".

ويصف الناس العاصي بأنّه شخص وحيد ومسؤول. وينفي شقيقه، فاروق العاصي، ضلوعه في محاولة التفجير. وقال لـ "المونيتور": "الاتّهامات مفبركة وغير منطقيّة. كنتُ أقصد مقهى كوستا وشقيقي يعرف ذلك. لقد تمّ التلاعب بالصور التي يظهر فيها شقيقي مرتدياً سترة ناسفة. فبنية شقيقي الجسديّة أصغر حجماً".

وتحدّث جار آخر عن تقوى عمر العاصي، قائلاً: "كان تقيّاً للغاية إلى حدّ غريب ويستشهد بالقرآن في كلّ حديث دنيويّ. وكان يقدّر كثيراً دوره كمعيل العائلة وقائدها مع أنّه الابن الأوسط".

وقالت مصادر أمنيّة لبنانيّة إنّ العاصي عضو في خليّة إرهابيّة في صيدا. وقال مصطفى، وهو مالك متجر للحلويات في صيدا يعرف العاصي شخصيّاً وفضّل عدم الكشف عن اسم عائلته، إنّ العاصي هو، مثل أبو ضهر، من أتباع الشيخ الأسير الذي قاد سنة 2013 معركة دامت يومين في منطقة عبرا في صيدا ضدّ الجيش اللبنانيّ أسفرت عن مقتل 20 عسكريّاً. وكان الأسير عدوّاً لدوداً لحزب الله، واتّهم الحكومة اللبنانيّة بالتواطؤ معه.

وقال مصطفى لـ "المونيتور": "استاء عمر ومعين ممّا اعتبراه اضطهاداً للشيخ الأسير. وشعر كلاهما بأنّ عليهما فعل شيء لإصلاح الضرر الذي لحق به. لقد نجح الشيخ الأسير في استقطاب عدد كبير من شبّان المدينة".

وقال الصحافيّ الصيداويّ فادي ثلج لـ "المونيتور" إنّ مجموعة مجهولة تقوم بتجييش أتباع الأسير عبر صفحة على "فيسبوك" تحمل اسم "كرامة أوّلاً"، مشيراً إلى قمع عائلات المقاتلين الذين شاركوا في اشتباكات عبرا. وقال ثلج: "اختفى أكثر من مئة شابّ من المدينة بعد اشتباكات 2013 – بعضهم هرب إلى تركيا، وبعضهم الآخر مختبئ. هم يقومون ربّما بتجييش أتباع الأسير. وهناك أيضاً ضلوع محتمل لفصائل متشدّدة في عين الحلوة".

وتقول مصادر أمنيّة في مخيّم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيّين في لبنان، الواقع جنوب شرق صيدا، إنّ منظّمة التحرير الفلسطينيّة وبعض الفصائل الإسلاميّة تتشابك مع مجموعة تدعى "شباب مسلم" تابعة لـ "داعش" وجبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً). وتضمّ "شباب مسلم" أعضاء سابقين في منظّمتي جند الشام وفتح الإسلام المتطرّفتين. وقال مصدر فلسطينيّ لـ "المونيتور" فضّل عدم الكشف عن اسمه: "نعرف أنّ عدداً كبيراً من شباب الأسير أعلن الولاء لـ "داعش" ولديه علاقات مع أشخاص في داخل المخيّم".

يضمّ مخيّم عين الحلوة الصغير والمكتظّ بالسكّان أكثر من 100 ألف لبنانيّ من أصل فلسطينيّ، بالإضافة إلى لاجئين فلسطينيّين من سوريا. ومن المعروف أنّ المخيّم معقل للجهاديّين ويضمّ فصائل متعدّدة مثل كتائب عبدلله عزام وعصبة الأنصار المرتبطتين بتنظيم القاعدة. وقد أصدر الشيخ المتشدّد في عين الحلوة، أسامة الشهابي، فتوى تحرّم السماح بالتفجير. لكنّ الشيخ السلفيّ أحمد عمورة قال لـ "المونيتور" إنّ الشهابي نفى أن يكون للمخيّم أيّ علاقة بالانتحاريّ.

مع ذلك، يعتبر عمورة أنّ ارتفاع مستوى العنف، من حادثة أبو ضهر إلى مخطّط العاصي الانتحاريّ، مثير للقلق على الرغم من فشل العمليّة. وقال الشيخ: "عندما استهدف أبو ضهر السفارة الإيرانيّة، كان ذلك بمثابة تصريح سياسيّ، فيما استهدف العاصي مدنيّين ليس إلا".

واعتبر الصحافيّ والمحلّل في صحيفة "الحياة"، حازم الأمين، أنّ قرب مخيّم عين الحلوة من صيدا قد يسهّل نشاط الشبكات الإرهابيّة بسبب ضعف التدابير الأمنيّة في داخل المخيّم. وقال الأمين لـ "المونيتور" إنّ "الضغوط كبيرة في صيدا بسبب جيوب الفقر والتزمّت الدينيّ. بالإضافة إلى ذلك، تشكّل المدينة خطّ تماس [بين السنّة وحزب الله]".

وصيدا هي مسقط رأس رئيس الحكومة السنيّ رفيق الحريري الذي اغتيل في تفجير ضخم سنة 2005 شارك فيه خمسة أشخاص تابعين لحزب الله. وتضمّ المدينة أكثريّة سنيّة لكنّها تقع في جنوب لبنان الذي تقطنه أكثريّة شيعيّة ويُعتبر معقلاً لحزب الله.

ولا تزال المدينة تضمّ أتباعاً كثيرين للأسير يعتبرون أنّهم يتعرّضون للتهميش وللمعاملة المجحفة. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه المشاعر لن تزول قريباً وقد تتسبّب بمزيد من الهجمات التي يمكن أن تكون أكثر نجاحاً.

وجد في : ain al-hilweh camp, hezbollah in lebanon, beirut, hezbollah, suicide bombing, lebanon security, ahmad al-assir

منى العلمي صحفيّة فرنسيّة لبنانيّة، وزميلة غير مقيمة في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي. تكتب العلمي حول المسائل السياسية والاقتصاديّة في العالم العربي، بالتحديد في الأردن، ومصر، ولبنان، وسوريا، والسودان والإمارات العربية المتّحدة.

x