نبض سوريا

بعد سنوات دامية من الحرب... السريان الآشوريّون في سوريا يبحثون عن وطن بديل

p
بقلم
بإختصار
يقولّ الخبيرّ فيّ شؤونّ الأقلياتّ الدّينيّة سليمان اليوسف: "يعيش الآشوريّون في سوريا وسط غالبيّة كرديّة وعربيّة مسلمة، أدركوا بأنّ الجميع تخلّى عنهم، وباتوا من غير حماية وطنيّة، وليس لهم حليف يحميهم ويدافع عنهم، ووقعوا ضحيّة حروب الآخرين وأجنداتهم بالسيطرة على المنطقة".

غازي عنتاب - للسنة الثانية على التوالي، تغيب شجرة الميلاد عن منزل عائلة مريم سركيس، حيث ألغت العائلة الاحتفالات في العام الماضي لأنّ ابنتهم مريم الوحيدة كانت ما تزال مختطفة لدى تنظيم الدولة الإسّلاميّة. أمّا هذه السنة، فقد فقدت العائلة ابنها الوحيد باسل وكان عمره 25 سنة، في 5 شهر كانون الأول/ديسمبر العام الفائت، بالاشتباكات الدائرة في شمال الرقّة، والذي كان يقاتل في صفوف "قوّات سوتورو" المتحالفة مع قوّات سوريا الديمقراطيّة، ضدّ "تنظيم الدولة الإسلاميّة" المتشدّد.

وتنتمي عائلة مريم إلى الأقليّة السريانيّة الآشوريّة المسيحيّة، وتنحدر أصولها من قرية تلّ شميرام الواقعة في جنوب غرب بلدة تلّ تمر، وتبعد نحو 40 كيلومتراً إلى الشمال الغربيّ من مدينة الحسكة.

وقد تمّ اختطاف مريم ووالديها مع 234 آشوريّاً من قبل عناصر "تنظيم الدولة"، إثر هجوم شنّه الأخير فجر يوم 23 شباط /فبراير 2015، على قرى نهر الخابور، وسكّانها من السريان الآشوريّين.

بعينيها البنّيّتين الخائفتين وقامتها النحيلة، جلست مريم ذات العشرين ربيعاً لتروي قصّتها إلى موقع "المونيتور"، وقالت: "قبل سنة وشهرين عندما كنت مختطفة، جاء السجّان وصاح على اسم ماما، ولكن لم يناد على اسمي! شعرت وقتها أنّ الحياة انتهت".

توقّفت مريم عن الكلام وتذكّرت تلك اللحظات العصيبة، صمتت وقد اغرورقت عيناها بالدموع، ثمّ تابعت حديثها بعدما شبكت أصابعها ببعضهما لتضيف: "طيلة تسعة أشهر الأولى من اختطافي، كانت أمي مصدر قوّتي، وشكّلت لي دافعاً قويّاً للصبر والتماسك، وكنت أشعر أنّ أبي قريب منّي أيضاً، بعدها بقيت وحيدة لأيّام وليالٍ وأنا أبكي وأمسح دموعي بمفردي".

وقد بقيت والدة مريم وتدعى أكلنينا محتجزة مدّة تسعة أشهر لدى تنظيم الدولة الإسلاميّة، منذ 23 شباط/فبراير 2015 وحتّى 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 قضتها في سجن مع ابنتها مريم، أما زوجها شمعون وضع بجناح الرجال في مدينة الرقّة، معقل التنظيم الرئيسيّ في سوريا.

لم يفارق اللون الأسود ملابس الأمّ، إذ بقيت متّشحة به طيلة العام الماضي عندما تمّ الإفراج عنها في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، إذ كانت خائفة من عودة الجهاديّين إلى منطقتهم، أمّا اليوم فكان الأسود يملأ قلبها وجسدها حداداً على وفاة ابنها باسل.

ولدى حديثها إلى موقع "المونيتور"، قالت الأمّ: "لمّا أفرجوا عنّي، طلبت من أحد الأمراء المسؤولين عن السجن أن يفرج عن ابنتي والتي بقيت محتجزة حتى 23 شباط/فبراير 2016، قلت لهم إنّها لن تحتمل البقاء بمفردها"، إلّا أنّ المسؤول اكتفى بالإجابة عليها بأنّه سيتمّ الإفراج عنها ريثما تتمّ الصفقة التالية، حّيث أنّ التنظيم كّان يطلّب فدّية ماليّة لقاّء إفراجّه عن كّل رهينة أشوّرية، وكانتّ أسقفية سّوريا لكنيسّة المّشرق الآشورّية ومقرها مدينة الحسّكة تقوم بالوسّاطة.

أمّا والد مريم واسمه شمعون والذي وضع حينئذ مع الرجال في سجن منفصل عن النساء بالرقة، فبقي مدّة خمسة أشهر محتجزاً، وأفرج عنه في 11 آب/أغسطس 2015، وكشف في لقائه مع موقع "المونيتور" أنّ قادة تنظيم الدولة الإسلاميّة كانوا يرسلون إليهم كلّ 15 يوماً شيخاً يدعوهم إلى الدخول إلى الدين الإسلاميّ، وقال: "لم يجبروا أحداً على اعتناق الإسلام، كان الشيخ يؤكّد لنا دائماً أنّ لا إكراه في الدين، وأنّ معاملتنا خاصّة لأنّنا من أصحاب الكتاب".

مريم التي بقيت محتجزة مدّة سنة، حيث أفرج عنها في 23 شباط/فبراير من العام 2016، أشارت إلى أنّ أصعب اللحظات التي مرّت بها تمثّلت في حرمانها من الكثير من الأمور، وقالت: "كنت محرومة من حريّتي، وأشتاق إلى رؤية الشمس واشتمام هواء نقيّ. في كلّ يوم أحد، كانت تتملّكني رغبة قويّة للذهاب إلى الكنيسة، ولكنّني كنت ومن معي في السجن من نساء وفتيات، نصلّي سرّاً ونقيم القدّاس والشعائر من دون صوت".

وصدمت والدة مريم بعد الإفراج عنها، بعدما نقل لها زوجها أنّ عناصر التنظيم أضرموا النار في منزلهم في قرية تلّ شميرام إلى جانب الكثير من المنازل، وأحرقوا كنيستها، وعبّرت عن مشاعرها بحرقة قائلة: "إلى الآن، ما طلعت على قريتنا، قلبي ما يتحمّل شوف بيتنا وهو محترق، حرقوا كلّ ذكرياتنا، وحرقوا كنيستنا، ما تركوا إلنا شيء".

وتسكّن حّالياً الآسّرة فيّ بلّدة تل تمرّ (أقصى شمال سوريا)، لكنّ والد مريم قال إنّ عائلته قرّرت السفر إلى الخارج وترك البلاد، واستدرك قائلاً: "عانينا الأمرّين هنا، خطف وسجن وحرق. وفوق كلّ ذلك، فقدنا ابننا الوحيد، سنسافر إلى وطن يوفّر لنا الأمن ونكمل حياتنا بعيداً عن هذه الحروب والصراعات".

وقد غابت مظاهر احتفالات أعياد الميلاد هذا العام أيضاً عن بلدة تلّ تمر ذات الغالبيّة المسيحيّة، وخيّم الصمت على شوارع البلدة وأزقّتها، وكانت معظم المحال التجاريّة موصدة، ممّا يدلّ على مشاعر خوف وقلق من مستقبل أتباع السريانيّة الآشوريّة التي هجّر القسم الأكبر من أبنائها إلى أمريكيا والدول الغربيّة.

ويعزو الكاتب والخبير في شؤون الأقليّات الدينية سليمان اليوسف في لقائه مع موقع "المونيتور" ذلك إلى أنّ هجوم عناصر تنظيم الدولة الإسلاميّة قبل عامين على بلدة تلّ تمر، تسبّب في إفراغ منطقة حوض الخابور، وكان يقطنها نحو 30 ألف آشوريّ، وقال: "حالة الإحباط وشعور الخوف من مستقبل مجهول دفعت الكثير من الآشوريّين إلى ترك قراهم، حيث هجروها إلى الخارج".

واتّهم اليوسف النظام السوريّ بالتخاذل، وعدم توفير الحماية المطلوبة للآشوريّين السريان والكلدان والمسيحيّين، ويعزو السبب إلى "تركهم لقمة سائغة للتنظيمات الإسلاميّة التكفيريّة بهدف الضغط على الآشوريّين وتخويفهم لاستمالتهم إلى جانبه، ويثبت مقولة إنّه حامي الأقليّات". وأضاف: " قطعات الجيش السوريّ المنتشرة في مدينة الحسكة بقيت متفرّجة ولم تتدخّل في صدّ الهجوم، حتّى طيران التحالف الدوليّ لمحاربة داعش خذلهم ولم تحمهم".

وحذّر اليوسف في ختام حديثه من هجرة الآشوريّين السريان والكلدان والمسيحيّين، وقال: "وإلّا سنرى شرقاً من دون مسيحيّين ومن دون إيزيديّين ومن دون أقليّات، لأنّهم يغادرون أوطانهم للبحث عن أوطان بديلة توفّر لهم الأمان والاستقرار والمستقبل لأجيالهم".

يذكر أنّ عدد الآشوريّين بكلّ طوائفهم ومذاهبهم كان يقدّر بنحّو مليونّ نسّمة في سّوريا من بين مليوني مسيحيّ قبل عام 2011، وتراجع هذا العدد كثيراً لأنّ ثلثهم تركوا البلاد قاصّدين لبنانّ أولاً؛ وّمنها يسّافرون الى دولّ أوربيّة وغربّية، هرباً من الحرب المسّتعرة.

وجد في : internally displaced persons, islamic state, christmas, syrian regime, syrian civil war, christian minorities, assyrians
x