نبض العراق

مذبحة لطيور الفلامنجو في جنوب العراق

p
بقلم
بإختصار
الصيّادون في العراق يتربّصون بالطيور المهاجرة في ظلّ غياب قوانين رادعة

بغداد – العراق: انتشر مقطع فيديو في 25‏ كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2016 لصيّادين عراقيّين يأسرون طيور الفلامنجو النادرة في محافظة ميسان جنوبيّ العراق، ونشرت أيضاً وسائل إعلام في 25 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2016 مشاهد لموائد أكل عامرة بلحوم هذا الطير. كما أنّ عدداً من طيور الفلامنجو النادرة تمّ عرضه للبيع في سوق شعبيّة، جنوبيّ البلاد منذ 27 كانون الأوّل/ديسمبر الماضي.

ورغم أنّ عمليّات الصيد الجائرة للطيور والحيوانات البريّة ظاهرة ملحوظة في العراق، منذ فترة طويلة، إذ أكّدت منظّمة "طبيعة العراق" في 11 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2014 عن "رصد أعداد هائلة من الطيور المهاجرة إلى مناطق الأهوار، استُقبلت من قبل الصيّادين بوسائل الصيد المشروعة وغير المشروعة"، إلاّ أنّ صيد طيور الفلامنجو في هذه المرّة أحدث ضجّة واسعة في البلاد، تجسّدت بتظاهر العشرات في محافظة ميسان بـ28 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2016، للمطالبة بإيقاف عمليّات الصيد الجائر، فيما أعلن محافظها عن اتّخاذ إجراءات مشدّدة في حقّ مقترفي أعمال الصيد غير الشرعيّة. وتظاهر في 29 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2016 العشرات في الناصريّة، مطالبين بمنع الصيد الجائر في مناطق الأهوار.

كما دفع ذلك وزارة الموارد المائيّة في 26 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2016 إلى دعوة السلطات المحليّة في محافظات البصرة وذي قار وميسان (جنوب) لـ"حملة توعية وتحمّل المسؤوليّة للحفاظ على التنوّع البيئيّ"، الذي تعزّزه أسراب الطيور المهاجرة القادمة من سيبيريا ودول وسواحل شمال أوروبا والمناطق الباردة الأخرى، إلى الأهوار، وهي مسطّحات مائيّة تعدّ من أقدم المآوي الطبيعيّة لأنواع كثيرة من الطيور، ومنها دجاج الماء الذي يُصطاد ويطبخ في مناطق جنوب العراق، إضافة إلى الخضيري والحذاف والفلامنجو، وهو طير من جنس "النحاميّات" يمتاز بشكله الجميل ولونه الورديّ وامتلاكه سيقاناً طويلة.

وفي هذا السياق، قالت مديرة مركز إنعاش الأهوار والأراضي الرطبة في وزارة الموارد سميرة عبد محي في حديث لـ"المونيتور": "هذه السلوكيّات تحرج العراق أمام المجتمع الدوليّ لأنّها تُظهره غير ملتزم ببنود اليونيسكو وتعهّداته في المحافظة على الأهوار كأحد الأماكن على لائحتها"، وما هو ما يدفعها إلى "دعوة وزير الموارد المائيّة لمراعاة متطلّبات التنوعّ الإحيائيّ في مناطق الأهوار واتّخاذ الإجراءات التي تحول دون الصيد الجائر".

أضافت: "إنّ مجلس محافظة واسط وضع عقوبة الحبس لكلّ شخص في حوزته طائر نادر سواء أكان حيّاً أم ميتاً، وكلّ من يتاجر بالطيور والحيوانات النادرة، وهو قرار جريء، نعمل على تشجيع بقيّة المحافظات، لا سيّما التي تتواجد فيها الأهوار مثل البصرة والعمارة والناصريّة، على وضع غرامات وعقوبات لمن يمارس الصيد الجائر. ولقد لمسنا تجاوباً وتنسيقاً من قبل السلطات في تلك المحافظات بهذا الاتّجاه".

وتعقيباً على ما طالبت به سميرة عبد محي، قال رئيس لجنة الزراعة البرلمانيّة النائب فرات التميمي لـ"المونيتور": "هناك حاجة ماسة إلى ردع الصيد الجائر بتطبيق القوانين التي لم تُفعّل من قبل الجهات الأمنيّة والحكومات المحليّة، ممّا جعل عمليّات الصيد تجري في شكل ارتجاليّ وفوضويّ". واعتبر أنّ "الحياة البريّة العراقيّة مهدّدة بخطر كبير، لأنّ أعمال الصيد الجائر تجري على وتيرة واحدة مثل صيد الأسماك بالسموم، وصيد الطيور المهاجرة بالشباك، وقتل الحيوانات النادرة".

وفي الحقيقة، إنّ القوانين العراقيّة تمنع الصيد العشوائيّ والجائر، وهو ما أشارت إليه دائرة المنظّمات غير الحكوميّة في الأمانة العامّة لمجلس الوزراء في 27 شباط/فبرابر من عام 2014، في اشتراطها على المنظّمات المختصّة بالصيد كافّة، الحاصلة على شهادة تسجيل بموجب القانون رقم 12 لسنة 2010 بضرورة الامتناع عن ممارسة الصيد، إلاّ بعد الحصول على إجازة صيد رسميّة.

وبين الدعوات الكثيرة إلى تطبيق القانون، تُرصد محاولات خجولة في فرض العقوبات على فعاليّات الصيد غير الشرعيّة مثل اعتقال أربعة صيّادين في 21 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016، بتهمة الصيد الجائر غرب الناصريّة (جنوب)، غير أنّ ردع ظاهرة التجاوز على البيئة في العراق لن تكون بواسطة العقوبات فحسب، بل يتوجّب من وجهة نظر الناشطة في مجال التنوّع البيئيّ الدكتورة سلامة الصالحي في حديثها لـ"المونيتور"، "القضاء على الجهل بأهميّة التّوازن البيئيّ"، وقالت: "إنّ نقص الوعي أحد أكبر أعداء البيئة العراقيّة".

وممّا زاد التعدّي المستمرّ على البيئة، من وجهة نظر سلامة الصالحيّ، "حلّ وزارة البيئة، التي دُمجت مع وزارة الصحة في عام 2015، ممّا يدلّ على تراجع الاهتمام الحكوميّ بالبيئة التي تعاني من الإهمال، وقلّة التخصيصات لتطويرها، وندرة المنظّمات التي تهتمّ بشؤونها". ولا تستغرب الصالحي "تأثير ذلك على متطلّبات بقاء الأهوار على لائحة اليونيسكو، إذا ما استمرّ العبث بتنوّعها الإحيائيّ على هذا النحو".

وإذ أيّد الناشط البيئيّ كرار الشكري في مقاله بـ30 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2016، وجهة نظر الصالحيّ في "قلّة الوعي البيئيّ في العراق"، اتّهم الذين يعتدون على البيئة بـ"الجهل وبأنّهم مشاركون بتخريب الطبيعة في العراق" .

وفي السياق نفسه، أكّدت عضو اللّجنة الزراعيّة في مجلس محافظة بابل سهيلة عبّاس خلال حديثها لـ"المونيتور" في 31/12 أنّ "هناك عدم اكتراث للقوانين الخاصّة بالصيد، لا سيّما قانوني 17 و21، وغياب الرقابة على المناطق البيئيّة المهمّة، ممّا يشجّع على استمرار الصيد للطيور والحيوانات والأسماك بوسائل غير مشروعة".

وفي المحصّلة، تشير التّجارب إلى أنّ العقوبات وحدها لن تنفع رغم فعاليّتها، والمطلوب إدخال علوم البيئة وطرق العناية بها في المناهج الدراسيّة، ونشر الثقافة التي تحضّ على صداقة الطبيعة وتطويرها لإعداد مواطن قادر على التعامل الصحيح مع الكائنات الحيّة المتواجدة من حوله.

وجد في : hunting, environment, iraqi marshes, animals, nature

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x