نبض سوريا

سكّان مدينة حلب الشرقيّة يختبرون قدرتهم على مواجهة الموت

p
بقلم
بإختصار
أجلي الآلاف من المدنيّين والمقاتلين بمن فيهم نساء وأطفال وجرحى من سكان حلب الشرقية، الى ريف حلب الغربي، وفق أتفاق رعتهُ تركيا روسيا. ومجلس الأمن صوت على نشر مراقبين للإشراف على عمليات الإجلاء.

غازي عنتاب - "كّنا نسمع أصواتهم وهم يهدّدون باغتصاب النساء والفتيات، وبأنّهم سيعتقلون كلّ الرجال والشباب". بهذه الكلمات بدأت فاطمة الأنصاري، وهي سيّدة سوريّة في منتصف عقدها الرابع، وتنحدر من حيّ بستان الباشا في القسم الشرقيّ لمدينة حلب (في شمال سوريا)، حديثها إلى موقع "المونيتور"، وملامح الحيرة بدت على وجهها.

وتابعت كلامها بالقول: "أهل حلب يختبرون قدرة تحمّل الموت، حتّى إذا متنا هنا! يجب أنّ يعرف العالم أنّنا صمدنا إلى آخر لحظة، وتحمّلنا الحصار والجوع والقصف".

فاطمة وقرابة خمسين ألف من المدنيّين، بينهم جرحى وأطفال بقوا عالقون ثلاثة أيام منذ 16 من الشهر الجاري حتىّ 19 شهر كانون الأول/ديسمبر بالقسم الشرقيّ لمدينة حلب، انتظروا دورهم الى أنّ تم إجلائهم لريف حلب الغربيّ ومنها الى مدينة إدلب وريفها (في غرب سوريا).

وصوت مجلس الأمن الدولي يوم الاثنين 19 كانون الأول/ديسمبر على قرار بنشر مراقبين دوليين في مدينة حلب والإشراف على عمليات إجلاء السكان، ثم استؤنفت عمليات الإجلاء ويصل السكان المُهجرين الى منطقة الراشدين بريف حلب الغربي ومنها يتوزعون على باقي المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية المسلحة بريف حلب الغربي ومدينة ادلب.

وقال وليد عبد القادر، وهو شابّ في الثلاثين من عمره من حي صلاح الدين شرقي حلب، كان في الدفعة المفترض أنّ يتمّ إجلاؤها لريف حلب الغربيّ الخاضعة لسيطرة المعارضة يوم الجمعة في 16 كانون الأوّل/ديسمبر، في لقائه مع "المونيتور" عبرَ أتصال هاتفي: "تحرّكت الحافلة التي كانت تقلّنا وكانت ترافقنا سيّارة للصليب الأحمر الدوليّ والثانية للهلال الأحمر التركيّ". وأضاف: "عندما وصلت القافلة إلى جسر الراموسة الخاضعة للنظام وسط حلب حيث كانت تتمركز نقطة تفتيش تابعة إلى النظام، قام ضابط ومجموعة من عناصره وأوقفوا المسير، وأمروا سائقي الحافلات بالعودة أدراجهم".

ويوم الجمعة، نشر العديد من النشطاء والإعلاميّين المعارضين من سكّان حلب الشرقيّة، مقطع فيديو تظهر فيه لحظة تبادل النار بين مجموعة من المسلّحين الموالين للنظام، وآخرين ينتمون إلى المعارضة، في حي السكري بشرق حلب ويبيّن فرار الناس خلال محاولتهم مغادرة المدينة وهرولتهم خشية اعتقالهم.

كما علّقت يوم الجمعة في 16 كانون الأول/ديسمبر، عمليّات الإجلاء للمقاتلين والمدنيّين بعد أنباء عن مطالبة مؤيدون للحكومة بإجلاء المصابين من بلدتي الفوعة وكفريا المواليتين للنظام.

كما أضرم مسلحون معارضون النار في خمس حافلات كانت متجه لإجلاء سكان قريتي الفوعة وكفريا المواليتين للنظام بريف ادلب يوم الأحد في 18 من الشهر الحالي.

وفي حديثها إلى موقع "المونيتور"، أوضحت المتحدّثة الرسميّة باسم اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر في سوريا المشرفة على عمليّة الإجلاء إنجي صدقي، أنّه "ليست من مهمّتنا كمنظّمة إنسانيّة إلقاء اللوم على طرف أو آخر، أولويّتنا الآن هو إنقاذ حياة الآلاف من المدنيّين العالقين، وهم في حالة من الخوف والترقّب".

وحثّت إنجي صدقي كلّ أطراف النزاع احترام وقف إطلاق النار، وقالت: "تـأمين قوافل الإجلاء والمدنيّين هو من مهام الأطراف المتنازعة. ووضع مصلحة المدنيّين فوق أيّ مكاسب أخرى سواء سياسيّة أم عسكريّة، فأبرز التحديات هي الخرق الذي حدث يوم الجمعة لوقف إطلاق النار مما تسبب في وقف العملية وتعريض حياة الالاف من المدنيين للخطر".

وقال سليم الواوي الذي وصل قبل أيّام قليلة إلى حي الجميلية الخاضعة إلى سيطرة القوّات النظاميّة في القسم الغربيّ من حلب، إلى موقع "المونيتور": "عندما هربنا من حيّ الزبديّة بشرقي حلب، كنّا نقفز على الجثث. ابنتي تعرّضت إلى انهيار عصبيّ لهول المشهد". وعبّر عن مشاعره المختلطة بالقول: "لمّا وصلنا إلى حاجز النظام، كانت إجراءات التفتيش معقّدة للغاية. اطّلعوا على اسمي واسم زوجتي وابنتي ريما وتيما الصغيرتين، وعندما أدركت أنّهم يتماطلون في دخولنا، قمت بدفع مليون ليرة-ما يعادل ألف دولار كرشوة ليسمحوا لنا بالعبور".

وتابعت صدقي حديثها قائلة: "على مدار يوم الخميس في 15 كانون الأوّل/ديسمبر حتّى فجر الجمعة في 16 كانون الأوّل/ديسمبر، قامت فرق الهلال الأحمر السوريّ واللجنة الدوليّة للصليب الأحمر بإجلاء حوالى 10000 من المدنيّين، من ضمنهم حوالى مئة جريح كانوا في حالة حرجة"، وبعد استئناف عملية الإجلاء تضيف: "في يوم الاثنين 18 كانون الأوّل/ديسمبر قمنا بإجلاء نحو خمسة آلاف شخص على متن 75 حافلة خرجوا من حلب باتجاه ريف حلب الغربي، والعملية مستمرة لإجلاء كل من يرغب بالخروج".

وعن أعداد العالقين، أضافت: "ليست لدينا أرقام مؤكّدة حول عدد الباقين، لكن بالتأكيد، هناك الآلاف من المدنيّين الآن على خطوط المواجهة في حالة سيّئة جدّاً من خوف وعدم أمان ودرجة حرارة منخفضة جدّاً لإجلائهم".

ويتذكّر صلاح الأشقر، وهو صحافيّ لا يزال محاصراً في القسم الشرقيّ لمدينة حلب: "في ربيع عام 2011 وعندما شاركت في المظاهرات المناهضة للنظام الحاكم في سوريا، طالبنا بإسقاط سوريا الأسد، وطالبنا بسوريا ديمقراطيّة". أمّا اليوم وبعد مرور ستّة أعوام على هذا الكلام، يضيف صلاح لموقع "المونيتور" عبرَ محادثة خدمة ماسنجر فيسبوك: "أنا ابن حلب، ابن سوريا، أجبروني على مغادرة منزلي ووطني". هنا، توقّف عن الكلام واغرورقت عيناه بالدموع. بعد لحظات، تابع حديثه وقال: "غادرت مدينتي مجبراً، وكلّ هؤلاء الناس مثلي هجروها مكرهين، إنّها التغريبة في حلب".

ووصل صلاح في يوم الاثنين 19 شهر كانون الأول/ديسمبر الى بلدة الابزيمو بريف حلب الغربي، وينوي التوجه الى تركيا.

وبحسب الصور ومقاطع الفيديو التي نشرها نشطاء وإعلاميّون من القسم الشرقيّ لمدينة حلب على صفحات مواقع التواصل الاجتماعيّ، تنعكس مظاهر الدمار التي حلّت به، واضحة جرّاء المعارك العنيفة بعد تقدم النظام في شرق حلب منذ 28 شهر تشرين الثاني/نوفمبر وسيطر عليها بالكامل، حيث يمكن رؤية بعض المنازل التي أصبحت أثراً بعد عين، ولم يتبقّ منها سوى الأطلال.

وذكر مدير الدفاع المدنيّ في مدينة حلب، والذي يسمّى أيضاً بـ"الخوذ البيضاء" عمّار السلمو، إلى موقع "المونيتور" أنّ يوميّ الثلاثاء 13 من الشهر الجاري والأربعاء 14 منه كانا أكثر يومين سوداويّين يمرّان على سكّان حلب، وقال: "كان هناك ما يربو على 100 جثّة منتشرة في حيّ الزبديّة، أحد أحياء حلب الشرقيّة، لم نتمكّن من انتشالها لشدّة المعارك الدائرة في المنطقة بين النظام والمعارضة".

وقال وسام محمود من داخل القسم الشرقيّ لحلب إنّه يمضي رفقةً مع أفراد أسرته في البرد على أمل المغادرة، ونقل مشاعره المشوّشة بصوت متعب قائلاً: "لا أشعر بالأمان في الفرار من حلب بعد الهجوم على قافلة الجمعة، فقدت ثقتي بكلّ الدول والجهّات التي أبرمت الاتّفاق. أخشى فعلاً من التصفية والقتل". واستدرك قائلاً: "حتّى الهروب ممنوع علينا".

واختتمت إنجي صدقي تصريحها بالقول: "سيتمّ إجلاء المدنيّين الذين يرغبون بالمغادرة إلى أماكن أكثر أماناً، أمّا الذين لا يريدون المغادرة فلديهم الخيار للبقاء، هذه من مبادئ القانون الدوليّ الإنسانيّ. يجب أن يتمّ الإجلاء وفقاً لرغبة المدنيّين والجرحى أنفسهم".

وعلى الرغم من بطء عمليات الإجلاء، تستمر الحافلات في نقل سكان شرقي حلب إلى وجهاتهم المحددة، وقد تستمر عدة أيام بحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والآلاف من المدنيّين والمقاتلين يغلّف رحلتهم ليل طويل مترافق بالبرد القارس.

وجد في : syrian civil war, icrc, evacuation, civilian casualties, aleppo cease-fire, aleppo
x