نبض لبنان

في طرابلس لبنان، الثّقافة تهزم التّطرّف بين الشّباب

p
بقلم
بإختصار
مدينة طرابلس بشمال لبنان، المعروفة باشتباكاتها العنيفة بين الأحياء وبتعرّضها للهجمات الإرهابيّة، تستقبل عدّة مبادرات مدنيّة وثقافيّة تعمل مع الشّباب للقضاء على الفكر المتطرّف.

في تشرين الأوّل/أكتوبر 2016، بدأت مبادرة عبر الانترنت بعنوان "تعا صوب الفنّ" بتسليط الضّوء على إبداع شباب طرابلس من خلال مشاركة قصائد، ورسوم، وأغاني ومقاطع فيديو أنجزها أطفال ومراهقون من المدينة الواقعة شمال لبنان. وكانت هذه مناسبة لتشجيع الشّباب على نشر أفكارهم، فضلاً عن إخبار باقي المناطق اللّبنانيّة أنّ طرابلس لا تقتصر على الحرب فقط.

غالبًا ما تُعتبَر طرابلس مدينة خطرة ومحافظة في لبنان، وذلك بسبب الاشتباكات المستمرّة بين أحيائها المتخاصمة منذ الحرب الأهليّة اللّبنانيّة، وتفشّي الهجمات الإرهابيّة منذ بداية الحرب الأهليّة السّوريّة. قالت ايزابيل واكيم، وهي طالبة في جامعة القديس يوسف أطلقت مبادرة "تعا صوب الفنّ"، إنّ "عددًا كبيرًا من اللّبنانيّين يخشون الذّهاب إلى طرابلس".

وقالت واكيم للمونيتور إنّ "طرابلس هي ثاني [أكبر] مدينة في البلاد، وهي منطقة سنيّة بمعظمها، وهي ليست بعيدة عن سوريا وتتعرّض لتهديد مستمرّ من مجموعات كجبهة النّصرة وتنظيم الدّولة الإسلاميّة [داعش] التي تطبّق أيديولوجيّتها. يشعر النّاس هناك بأنّ الدّولة تهملهم. ونجد أحياء فقيرة للغاية قد ينغرّ شبابها للانضمام إلى تنظيمات متطرّفة وللقتال".

شاركت واكيم إلى جانب 10 طلّاب آخرين من جامعة القديس يوسف في المسابقة الدوليّة التي تحمل عنوان "الندّ للندّ: تحدّي التطرّف"، والتي يرعاها موقع فيسبوك ووزارة الخارجيّة الأميركيّة. والهدف من المسابقة تشجيع الطّلّاب من كافّة أنحاء العالم على إطلاق حملة على مواقع التّواصل الاجتماعي لمحاربة التطرّف في مجتمعهم. وإنّ المسابقة، التي انطلقت في أوائل العام 2015، قدّمت لجميع الطّلّاب في أفضل ستّة فرق منحًا دراسيّة تتراوح قيمتها بين 1,000 و5,000$.

قرّر الطّلّاب اللّبنانيّون التّركيز على طرابلس حيث جمعوا مراهقين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عامًا وأنجزوا معهم عملاً فنّيًا لتجري مشاركته على فيسبوك.

قالت واكيم، "أردنا أن نري باقي المناطق اللّبنانيّة ما يفعلونه، وأن نظهر لهم أيضًا أنّهم ليسوا وحدهم في حالة من التوتّر. في رسوماتهم، رأينا أمورًا بريئة وأمورًا عنيفة على حدّ سواء. هم بحاجة ماسّة إلى التّعبير عن أنفسهم. عندما تحدّثنا عن الوطنيّة، لم يعلم الأطفال ما الذي نتكلّم عنه. لكن بعد أن شرحنا لهم الأمر، بدؤوا فورًا برسم العلم اللّبناني. ومرّة أخرى، طلبنا منهم أن يرسموا ما يحلو لهم، فسألَنا أحد الأطفال: 'ما المسموح أن أتحدّث عنه؟' لذا نرى أنّ التّعبير أساسيّ جدًا وضروريّ بالنّسبة إليهم".

مع أنّ المسابقة انتهت في 7 كانون الأوّل/ديسمبر، قرّر الفريق اللّبناني مواصلة مشروعه وتوسيعه ليشمل مدنًا لبنانيّة أخرى.

دفعت فكرة مماثلة بمنظّمة "مارش" غير الحكوميّة إلى فتح مقهى ثقافي في شهر آذار/مارس 2016 يقع بين اثنين من الأحياء المتخاصمة في طرابلس، وهما جبل محسن، الذي يضمّ أغلبيّة علويّة، وباب التبانة ذو الغالبيّة السّنيّة. ويستضيف المقهى باستمرار مهرجانات، وأنشطة ثقافيّة وورش عمل للتدريب المهني. وقد قالت ليا بارودي، وهي شريكة مؤسّسة لمنظّمة "مارش"، "نحاول أن نعطي صوتًا للشّباب. هم غاضبون، لكن توجد بدائل أخرى غير القتال في صفوف المجموعات المتطرّفة".

وقالت بارودي للمونيتور، "كلّ ما يريدونه هو التّنفيس عن إحباطهم، والثّقافة تسمح لهم بالقيام بذلك. حتّى مع مشروعنا لترميم الشّوارع المتضرّرة من جرّاء الاشتباكات حول المقهى، يشعر الشّباب أنّ لهم صوتًا، وأنّهم قادرون على إحداث تغيير إيجابي في مجتمعهم بالإضافة إلى كسب الدّخل".

من خلال أنشطتها، تقوم منظّمة "مارش" بمساعدة الشّباب على إيجاد سبل لكسب المال والحصول أحيانًا على وظيفة ثابتة. وقالت بارودي إنّ "الفنّ والثّقافة يكتسبان أهميّة كبيرة في إبعاد الشّباب عن العنف، لكنّهما لا يكفيان. علينا أيضًا أن نجعلهم قادرين على أن يعيلوا أنفسهم ويكونوا فاعلين. لاحظت أمرًا أثناء العمل مع شباب طرابلس، وهو أنّهم غالبًا ما يلجؤون إلى العنف والتطرّف بسبب التّهميش، والفقر، وانعدام الأمل والهويّة والشّعور بالظّلم – والمجموعات المتطرّفة تعطيهم ذلك. تخيّل أنّه لدينا رجال هنا كانوا يقاتلون في سوريا. المهمّ هو تقديم بديل لهم".

يشارك علي أحمد أمون، 23 عامًا، في أنشطة "مارش" في طرابلس منذ تأسيس المجموعة منذ ثلاث سنوات. وهو شارك في ورشة عمل مسرحيّة جمعت شبابًا من جبل محسن وباب التبانة. وقال أمون إنّه اعتاد أن يقاتل سكّان باب التبانة، لكنّ "مارش" أعطته الآن فرصة التخلّص من النّزاع واحتراف مهنة.

ساعد أمون على فتح المقهى وهو ينظّم الآن الأحداث مع منظّمة "مارش". وقال، "لقد اكتشفت أنّ الشّباب ... من باب التبانة يشبهونني: هم لا يريدون قتلي. تعلّمت أيضًا كيف أكون أخصائي كهرباء. وذلك أعطاني حياة جديدة بالكامل على صعيد شخصي، وأنا أشجّع الشّباب الأصغر سنًا على اللّجوء إلى الثّقافة وحضور الأحداث التي يجري تنظيمها".

في اليوم الذي زار فيه المونيتور المقهى، كان يصخب بالموسيقى والغناء. وكان محمد صالح، 18 عامًا، وهو مغنّ من حيّ أبي سمراء بطرابلس، يتلقّى تهليلاً من أقرانه أثناء الغناء. وقال صالح للمونيتور، "الشّهر الماضي، رأيت إعلانًا لمهرجان "مارش". كانوا يبحثون عن فنّانين، فقدّمت طلبًا. أردت تقديم شيء لمدينتي. اعتدت رؤية عدد كبير من الأشخاص يقاتلون بعضهم البعض، وأعتقد أنّ الثّقافة والموسيقى تقدّمان أمورًا أفضل بكثير من الحرب".

قبل أن تبدأ هذه المبادرات الثّقافيّة بالازدهار في طرابلس، كانت مجموعة من اللّبنانيّين قد أطلقت في العام 2007 مجموعة "نحن نحبّ طرابلس" على الفيسبوك، التي أصبحت منظّمة غير حكوميّة في العام 2009. وكانت الفكرة وراء ذلك مشاركة الصّور التي توثّق الحياة في طرابلس. قال طه ناجي، وهو شريك مؤسّس لمجموعة "نحن نحبّ طرابلس"، "وجدنا أنّ هناك فجوات كبيرة بين المجتمعات المحليّة في المدينة، مثلاً الجزء الجديد والقديم، أي المدينة القديمة وحيث يعيش الأشخاص الأكثر فقرًا. قرّرنا خرق تلك الفجوة، ذلك الخوف الذي منعنا حتّى من الذّهاب إلى تلك المناطق. فنحن نؤمن بأنّنا إن لم نغيّر عقليّة سكّان طرابلس أنفسهم، لا يمكننا أن نتوقّع تغييرها في بقيّة أنحاء البلاد".

أنشأ مؤسّسو "نحن نحبّ طرابلس" مجموعتهم عبر تنظيم جولات تصوير في طرابلس. ووسّعوا أنشطتهم تدريجيًا إلى ثلاث فئات: اجتماعيّة، وثقافيّة وبيئيّة. وإنّ الأنشطة – التي تشمل عروض أفلام، ومحاضرات عن المدينة، وأحداث خاصّة بإعادة التّدوير ومهرجانات للأطفال – ينظّمها كلّها بانتظام حوالي 450 شابًّا من المتطوّعين من طرابلس. وقال ناجي، "نحن على وشك افتتاح مركز اجتماعي للشّباب في مدينة الميناء بطرابلس لجمع شمل الأطفال من المجتمعات التي تعاني صعوبات في المدينة".

ولحظ، "نحن نؤمن بأنّ التّغيير الحقيقي في المدينة لا يمكن أن يحصل إلّا بمشاركة الشّباب، فهم سيصبحون قادة المستقبل في مجتمعهم. وهذا يعطيهم حسّ المسؤوليّة والمبادرة، الضّروري لمشروع طويل الأمد كهذا".

ناجي نفسه كان يشعر باليأس قبل إطلاق المبادرة. وقد قال، "أردنا تغيير كلّ شيء، لكنّ ذلك مستحيل. أمكننا فقط إنشاء قاعدة لإلهام الآخرين للقيام بذلك، والاستحواذ على اهتمام الأطفال وبناء ثقتهم بنفسهم".

وبعد التّفجير المزدوج الذي استهدف مسجدين في طرابلس، التقوى والسّلام، في آب/أغسطس 2013، وصل مئات المتطوّعين للمساعدة في عمليّات التّنظيف. فوصلت المجموعات الإسلاميّة وهدّدت بقتل المتطوّعين إذا واصلوا أنشطتهم. وقال ناجي، "هذا أكبر أثر أعتقد أنّنا تركناه في المدينة. فنشاطنا، غير القائم على السّياسة أو الدّين، يمنعهم من تجنيد الأطفال. نحن نفتح أعينهم على الطّريقة التي يمكنهم أن يعودوا بها بالنّفع على المدينة".

وجد في : tripoli clashes, tripoli, lebanese youths, jabal mohsen, facebook, bab al-tabbaneh, art

فلورانس ماسينا هي صحفيّة مقيمة في بيروت تكتب حول المسائل الاقتصاديّة، والثقافيّة والاجتماعيّة. درست العلوم السياسيّة والصّحافة في تولوز في جنوب فرنسا، وهي تسافر متنقّلة في المنطقة منذ العام 2010. تركّز ماسينا بشكل أساسي على التراث وقضايا المرأة، فضلاً عن تقديم أفكار إيجابية للبنان.

x