نبض الأردن

الأردن أمام اختبار صعب باستضافته القمة العربية المقبلة

p
بقلم
بإختصار
سوف يواجه الأردن عدداً من التحديات الديبلوماسية في آذار/مارس المقبل خلال القمة العربية التي تنعقد في عمان.

ليس سجل القمم العربية حافلاً بالنجاحات، فهي تسلّط الضوء عادةً على الانقسامات وليس على الوفاق. لذلك، وفي ظروف طبيعية، كان انعقاد القمة العربية في عمان في 29 آذار/مارس ليُعتبَر حدثاً أقل من عادي. لكنها ليست أوقاتاً عادية في المنطقة. كان من المقرر في الأصل أن تُعقَد القمة التي تجمع سنوياً رؤساء 22 دولة عضواً في الجامعة العربية، في اليمن، إنما يتعذّر ذلك بسبب الحرب الأهلية الدموية الدائرة هناك والتي لا تلوح لها أي نهاية في الأفق. وقد عرض العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، نقل مكان انعقاد القمة إلى العاصمة الأردنية عمان.

المرة الأخيرة التي استضافت فيها عمان قمة عربية كانت في حزيران/يونيو 2001، قبل أشهر قليلة من وقوع هجمات 11 أيلول/سبتمبر التي شنّها تنظيم "القاعدة" في الولايات المتحدة وما أعقبها من حرب في أفغانستان. للإضاءة أكثر على السياق، نشير إلى أن انعقاد القمة في عمان كان قبل نحو عامَين من اجتياح العراق، وقبل عقدٍ تقريباً من انطلاق الربيع العربي. في تلك الأيام، كانت قرارات القمة متوقّعة: إدانة إسرائيل واحتلالها للأراضي الفلسطينية، وانتقاد خفيف اللهجة للخطوة التي أقدمت عليها واشنطن باستخدامها حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي ضد مشروع قرار للسماح لمراقبي الأمم المتحدة بالعمل في الأراضي المحتلة.

بالنسبة إلى الأردن، هذه المملكة المعتدلة الموالية للغرب التي تربطها علاقات فريدة بإسرائيل والفلسطينيين، لطالما كانت إدارة القمم العربية أمراً مثيراً للتحدّي. على امتداد عقود، دعم الأردن الإجماع والوحدة العربيَّين – اللذين أصبحا عملتَين نادرتين في عدد كبير من المحطات الأساسية مؤخراً. في تشرين الثاني/نوفمبر 1987، ترأس الملك الراحل حسين قمة استثنائية في عمان أفضت إلى إنهاء المقاطعة العربية لمصر التي كانت قد بدأت بعد إقدام القاهرة على توقيع معاهدة سلام أحادية مع إسرائيل في العام 1979، وإلى دعم العراق في حربه مع إيران، وتحقيق المصالحة العربية. كان ذلك إنجازاً كبيراً للبلد المضيف.

لقد دأب الأردن على الدعوة إلى إصلاح الجامعة العربية التي أبصرت النور قبل سبعين عاماً، والتي هو عضو مؤسِّس فيها. وتجنّب الانجرار إلى مواجهات بالوكالة والتورّط في الخصومات العربية-العربية، كما حصل خلال أزمة وحرب الخليج الأولى (1990-1991) عندما دفع ثمناً باهظاً وعاقبته دول الخليج لوقوفه علناً إلى جانب صدام حسين إبان الاجتياح العراقي للكويت.

سوف تشكّل القمة المقبلة محك اختبار لقدرة عبدالله على تحقيق مظهر من مظاهر الوحدة بين القادة العرب. سيكون الخيط بين الإخفاق الذريع والإنجاز المدهش رفيعاً. وسوف يكون على عبدالله، باعتباره رئيس القمة، التعامل مع تحدّيات وقضايا معقّدة: الأزمة السورية والعلاقات مع النظام في دمشق، التهديد الإقليمي المتنامي الذي تشكّله إيران، الانقسام المذهبي الذي يزداد اتساعاً في العراق، الحرب على الإسلاميين المتشدّدين، الحرب الأهلية في اليمن وليبيا، وعملية السلام المتعثّرة بين إسرائيل والفلسطينيين. تنعقد القمة على خلفية تحوّلات دولية وإقليمية تتمثّل في شكل أساسي في وجود رئيس جديد وغير تقليدي في البيت الأبيض، وفي التوسع الروسي في الشرق الأوسط، والانتصار المحتمل للرئيس السوري بشار الأسد في حربه ضد التمرد المستمرة منذ أكثر من خمسة أعوام.

في هذه المرحلة، يبدو أن المقعد السوري في القمة سيظل شاغراً تماشياً مع القرار الذي تبنّته الجامعة العربية في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 وينصّ على تعليق عضوية سوريا. لقد أعلن وزير الدولة الأردني لشؤون الإعلام محمد المومني في الثامن من كانون الأول/ديسمبر الجاري أن عمان لن توجّه دعوة إلى دمشق لحضور القمة، هذا مع العلم بأن الأردن هو من البلدان العربية القليلة التي لا تزال تقيم علاقات ديبلوماسية مع نظام الأسد.

علاوةً على ذلك، تُعقَد القمة في مرحلة تشهد تشنّجات واضحة وانعداماً للثقة في العلاقات بين دولتَين عربيتين كبريين، السعودية ومصر. يبقى أن نرى إذا كان الملك عبدالله الذي تجمعه روابط وثيقة بقادة الدولتَين، سوف يحاول التوسّط بينهما من أجل رأب العلاقات. يتوقف ذلك في شكل أساسي على مستوى الحضور خلال القمة، والذي لن يُعرَف قبل اللحظة الأخيرة. يُذكَر في هذا الإطار أن سبعة رؤساء دول فقط حضروا القمة السابقة التي انعقدت في موريتانيا في آذار/مارس الماضي.

سوف يُتوقَّع من العاهل الأردني تأدية دور أساسي في رأب العلاقات بين العراق وجيرانها في الخليج، فضلاً عن دفع المجموعات السنّية والشيعية العراقية المختلفة إلى إنهاء المأزق السياسي في بغداد، والذي تسبّب بتعاظم التشنّجات المذهبية في البلاد.

ستبقى المسألة السورية – على ضوء سقوط حلب مؤخراً في أيدي قوات النظام، والتغيير المحتمل في السياسة المتّبعة في الملف السوري في عهد دونالد ترامب – قضية مثيرة للانقسام. يعارض عدد من البلدان العربية، منها الجزائر ومصر والعراق وعمان، منح المقعد السوري في الجامعة العربية إلى المعارضة، وتريد هذه الدول أن يُسمَح للنظام السوري من جديد بالجلوس إلى هذا المقعد. حتى في الأردن، طالب عدد من السياسيين ورؤساء النقابات المهنية بأن توجّه عمان دعوة إلى النظام السوري لحضور القمة، لكن من شأن دول الخليج، لا سيما السعودية وقطر، أن تعترض بكل تأكيد على مثل هذه الخطوة، ما يحكم على القمة بالفشل منذ البداية.

من التحدّيات الأخرى المطروحة على الأردن، وسواه من الدول الأعضاء في الجامعة العربية، التغيير الذي يُحتمَل أن يطرأ على السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة منذ عقود في التعاطي مع مسألتَي القدس الشرقية ومستوطنات الضفة الغربية. لن تكون لدى القادة العرب، في حال إقدام الولايات المتحدة على تغيير سياستها قبل آذار/مارس، مقاربة واقعية للتعاطي مع تداعيات انهيار حل الدولتَين، ما عدا الاكتفاء بإدانة هذه الخطوات.

في غضون ذلك، سيتكلّم عبدالله، بصفته رئيس القمة، عن متاعب بلاده الاقتصادية التي تفاقمت بعد استضافة مئات آلاف اللاجئين السوريين على الأراضي الأردنية. لكن على ضوء التدنّي في أسعار النفط والتحدّيات الاقتصادية التي تواجهها بلدان الخليج، من غير المرجّح أن تلقى المناشدة التي يطلقها الأردن للحصول على مساعدات إضافية، آذاناً صاغية.

تاريخياً، لم تمارس القرارات المنبثقة عن القمم العربية تأثيراً كبيراً على المنطقة، ونادراً ما كانت على قدر توقّعات الملايين من العرب وتطلّعاتهم. على الرغم من الظروف الإقليمية الاستثنائية التي ستحيط بالقمة العربية في آذار/مارس المقبل، يعكس مزاج الرأي العام في عمان، وربما في أماكن أخرى في العالم العربي، الخليط المعهود بين التشاؤم واللامبالاة. غالب الظن أن المحاولات الهادفة إلى رأب الانقسامات العربية العميقة لن تأتي بثمارها.

وجد في : us middle east policy, syrian civil war, bashar al-assad, arab league, arab-israeli conflict, abdullah ii
x