نبض سوريا

أبو عمر... هاوي سيّارات قديمة يحافظ على هوايته رغم الحرب

p
بقلم
بإختصار
تعرّفوا على أبو عمر، فهو هاوي السيّارات القديمة والتحف النادرة، الّذي ما زال في مدينة حلب السوريّة، رغم الحرب والقصف المتواصل ونزوح عائلته.

حلب، سوريا – في إحدى الحارات الشعبيّة في حيّ الشعار، داخل مدينة حلب، المتعبة بقصف نظام الرئيس السوريّ بشار الأسد وحلفائه، يركن محمّد محي الدين أنيس، الملقّب بـ"أبو عمر"، سيّاراته الكلاسيكيّة على جانبي الطريق، قبالة منزله ذي البناء القديم. الصدأ يملأ معظم هذه السيّارات، المكسرة نوافذها، فيما تبدو إحداها وكأنّها تفتح فمها، بعد أن سقط على مقدّمتها الكثير من الحجارة، إثر غارة جويّة، كانت لا تبعد عن منزل أنيس سوى بضعة أمتار.

يبلغ أبو عمر من العمر 70 عاماً، ويعلو الشيب رأسه وشاربه السميك. ولا بّد أن تشعر كأنّ الزمن عاد بك إلى خمسينيّات القرن الماضي وأنت تشاهد سيّاراته، بحيث دأب منذ شبابه على دفع أموال طائلة في سبيل شرائها، لا سيّما تلك الّتي تعود ملكيّتها إلى شخصيّات بارزة. يملك أبو عمر حاليّاً 20 سيّارة كلاسيكيّة يركن معظمها في الشارع، بينما يركن 3 منها في حديقة منزله، إلى جانب كومة كبيرة من قطع الغيار، الّتي تحوي على محرّكات قديمة ومصابيح وهياكل فارغة والعديد من المقاود، جمعها من سيارته المعطلة.

ووصف أبو عمر هذه الخردة بأنّها "ثروة نادرة"، وقال: "أحتفظ بها للأوقات الصعبة، فإذا ما تعطّل شيء من سيّارتي، فلن تجد لها مثل قطع الغيار هذه، حتّى إن درت كامل أرجاء سوريا".

ولكلّ واحدة من سيّارات أبو عمر قصّة طويلة حتّى وصلت إليه، فوقف إلى جانب سيّارة رماديّة اللّون من طراز "بويك" 1951، لا سقف لها ولا مقاعد، وقال متفاخراً: "هذه سيّارة أديب الشيشكلي".

وأديب الشيشكلي هو ضابط في الجيش السوريّ قاد الانقلاب الثالث في عام 1949، وتولّى رئاسة سوريا لمدّة سبعة أشهر بين العامين 1953 و1954.

وروى أبو عمر قصّة حصوله على السيّارة، مشيراً إلى أنّه في عام 2004 قرأ في إحدى الجرائد إعلاناً عن مزاد لبيع السيّارات القديمة، فتوجّه إلى المزاد مصطحباً ابنه وابنته، لكنّ أحد تجّار السيّارات دخل معه في المنافسة، وقال: "بدأت أزيد المبلغ حتّى وصل سعرها إلى 450 ألف ليرة سوريّة (8650$)، وحصلت عليها في النهاية".

كما يملك أبو عمر واحدة من أقدم السيّارات من طراز "كاديلاك" 1947، وقال: إنّ رؤساء سوريا توارثوها في تلك الفترة، الّتي كانت تشهد الكثير من الانقلابات العسكريّة، مثل انقلابي حسني الزعيم وسامي الحنواي عام 1949.

واستخدمت سيّارات أبو عمر القديمة في الكثير من الأفلام والمسلسلات السوريّة، مثل المسلسل المعروف "كوم الحجر" ومسلسل "الدوّامة"، لكنّ التحدّي الّذي يواجه أبو عمر حاليّاً هو حفظ سيّاراته من القصف، فقبل يومين من زيارتنا له، في 7 حزيران/يونيو، تعرّضت حارته لغارة جويّة ألحقت أضراراً واسعة في سيّاراته وتدمّرت إحداها ذات طراز بويك 1955، وقال: "ليست الغارة الأولى قرب منزلي، فهذه المرّة الثامنة، لكنّها الأكثر دماراً".

وتربط أبو عمر بسيّاراته علاقة غريبة، فهو يعاملها كأنّها من أبنائه، ويتحدّث مع سيّارته المدمّرة ممازحاً: "سلامتك يا حلوة!"، وليس غريباً أنّ أحد جيرانه قدّم إليه العزاء بفقدانه السيّارة، كما أخبرنا.

ورغم القصف الّذي لا يهدأ على مدينة حلب من قبل قوّات نظام بشار الأسد وحلفائه، إلاّ أنّ أبو عمر يرفض مغادرة منزله، الّذي يعود بناؤه إلى ثلاثينيّات القرن الماضي في فترة الإحتلال الفرنسيّ لسوريا. فقد ورث المنزل عن أبيه وجدّه.

ويعيش أبو عمر وحيداً في منزله، بعد أن نزحت زوجتاه وأولاده الثمانية خارج حلب، فداخل المنزل تشعر كأنّك في متحف صغير، فهو مليئ بالأشياء النادرة والتاريخة.

ونفض أبو عمر الغبار عن قارئ أسطوانات قديم "جرامافون". وعلى أنغام أغنية "برهو يا برهو"، قال لنا: "إنّه رائع لا يحتاج للكهرباء! ... أميركيّ الصنع... اشتريته بثلاث ليرات ذهبيّة". ومنذ القدم انقرض التعامل بالليرة الذهبية في سوريا، لكن بعض السوريين يستخدمونها الآن لإدخار أموالهم وحفظها من انخفاض قيمة العملة، وكل ليرة ذهبية تزن 8 غرام من الذهب ما يعادل 334 دولار.

ويلف أبو عمر حول عنقه نظّارة، قال: إنّها تعود إلى الشاعر السوريّ عمر أبو ريشة. كما يملك نظّارة أخرى، هي نسخة مقلّدة عن نظّارة عمر المختار، وهو أحد كبار رموز الثورة الليبيّة ضدّ الإحتلال الإيطاليّ.

وتفوح رائحة طلاء الأظافر "المناكير" من منزل أبو عمر، فهو يعمل في صناعة الموادّ التجميليّة، وقال ضاحكاً:" والدي كان يصبغ الأقمشة، وأنا أصبغ النساء".

ففي إيطاليا تعلّم أبو عمر صناعة موادّ التجميل، إذ عاش هناك سنوات عدّة، بعد أن ترك دراسة الطب في إسبانيا، وهو يتقن اللّغتين الإيطاليّة والإسبانيّة، إلى جانب العربيّة. ورغم كل ما يمرّ به والظروف الصعبة الّتي تعيشها بلاده، فإنّ الإبتسامة لا تفارق وجهه، فالحديث معه في غاية المتعة، لا سيّما قصصه التاريخيّة الفريدة. ولأبو عمر حلم قديم، لم يفقد الأمل من تحقيقه بعد، فهو يسعى إلى إنشاء معرض يحفظ فيه سيّارته، لكنّ التعقيدات الإداريّة في الترخيص منعته من إنشائه قبل اندلاع الثورة في سوريا. كما أنّ الظروف الحاليّة في البلاد لا تسمح له بذلك.

ويرى أبو عمر أنّ القيمة التاريخيّة والثقافيّة للأشياء أهمّ بكثير من قيمتها الماديّة، رافضاً كلّ العروض لبيع سيّاراته وتحفه النادرة، وقال: "إنّها ليست ملكي حتّى أبيعها، فهي ملك أولادي والأجيال المقبلة".

وجد في : syrian civil war, military coups, cars, automobile industry, aleppo
x