نبض لبنان

فضيحة الإنترنت غير الشرعيّ في لبنان تفتح الملف على مصراعيه

p
بقلم
بإختصار
فضيحة إنترنت غير شرعيّ برزت مطلع آذار/مارس في لبنان، وهي ما زالت تتفاعل حتّى الآن. ورغم المخاوف الامنية التي رافقت انطلاق هذا الملف بعدما أُعطي بعدا أمنياً خطيرا من خلال ربطه بإسرائيل وفي ظل تردد معلومات عن أنّ أكثر من مؤسّسة رسميّة وجهاز أمنيّ يستخدم هذه الشبكات، بدأت القضية تأخذ بعداً آخر عنوانُه "الفساد"... سلسلة من التّوقيفات تمّت، والتّحقيقات جارية، بحيث أصبح هذا الملف ككرة ثلج تتدحرج... فتكبر.

بيروت – لا تزال فضيحة الإنترنت غير الشرعيّ تتفاعل منذ الإعلان عنها في 8 آذار/مارس من عام 2016 خلال إجتماع للجنة الإتّصالات والإعلام النيابيّة الّتي يرأسها النائب عن "حزب الله" الشيعيّ حسن فضل الله عقدت في مجلس النواب، بحيث اطّلعت من وزارة الإتّصالات على ملف دسم ثلاثيّ الأبعاد قانونيّاً وماليّاً وأمنيّاً، يتعلّق باستباحة خدمات الإنترنت عبر محطّات إرسال ولواقط شبكات ألياف ضوئيّة غير خاضعة لرقابة الدولة، ويتولّى أصحابها، المقدّر عددهم بسبعة أشخاص، شراء سعات دوليّة من خارج الشبكة اللبنانيّة، وتحديداً من قبرص وتركيا بكلفة متدنيّة، قبل بيعها إلى المشتركين اللبنانيّين بأسعار أرخص من السعر الرسميّ. وهو ما تم كشفه في مؤتمر صحافي عقده يومها وزير الاتصالات بطرس حرب والنائب فضل الله.

قطاع الانترنت الذي دخل لبنان منذ حوالى 20 عاما، تديره "هيئة اوجيرو" التي تأسست في عام 1972 بموجب القانون 21/1972 ، وهي مؤسسة عامة مملوكة 100% من الدولة اللبنانية. هذه الهيئة تُعتبر محرك وزارة الاتصالات وهي تدير مقدمي خدمات الداتا (DSP)، وكذلك مقدمي خدمات الإنترنت (ISP). المدير العام لاوجيرو ورئيس مجلس ادارتها هوعبد المنعم يوسف الموجه بحقه أكثر من 52 شكوى ودعوى وملاحقة وتنبيهاً، بينها 7 مراجعات أمام مجلس شورى الدولة، و7 دعاوى أمام القضاء الجزائي، و21 امام التفتيش المركزي.

منذ 8 آذار/مارس من عام 2016 ، موعد خروج ملف الانترنت غير الشرعي الى العلن، تتوالى الإجتماعات الأسبوعيّة للجنة الإتّصالات النيابيّة، في موازاة إجتماعات أمنيّة أخرى تعقد في السراي الحكوميّ برئاسة رئيس مجلس الوزراء تمّام سلام لمتابعة الملف، وكان آخرها اجتماع امني عُقد في 11 نيسان/أبريل في السراي الحكومي وحضره الوزراء المعنيون ومسؤولو الاجهزة الامنية، أعلن على إثره وزير الإتّصالات بطرس حرب عن توقيف 4 أشخاص بتهمة الإتّصال مع قبرص وإدخال المعدّات والإتّصالات من تركيا وتسطير بلاغ بحث وتحرّ في حقّ شخص خامس.

الموقوفون حتى الآن في هذا الملف هم رينو سماحة، غسان غرابلة، حسن عجم، وديب المحمد، وهم متورطون بشكل او بآخر بهذه القضية، وفق معلومات "المونيتور". فيما كان النائب العام المالي علي إبراهيم ادّعى على 22 شخصاً من المتورطين في الفضيحة بجرم التركيب والبيع والاستثمار بطريقة غير شرعية وبجرم الاختلاس وهدر المال العام والتهرّب من دفع الرسوم والضرائب، والأسماء التي وردت في وسائل الاعلام هي: رينو سماحة، ديب المحمد، هاكوب تكيان، هيثم علوش، روبي صعب، توفيق حيصو، حسن عجم، أميل عبدو، أحمد الحواش، حسن مرتضى، على التنوخي، رالف خوري، وليد حويس، مازن الخوري، عماد نصري لحود، أنطوان ملحم، يوسف بلال، فاسم غراب، عبد الله عدره، خالد ثمين، أحمد الحصني، محمّد جنيد. علما ان التحقيقات ما زالت جارية لكشف اصحاب هذه المحطات وسائر المتورطين. وحتى الآن لم يصدر اي موقف رسمن من دولة قبرص في هذا شأن هذا الملف.

أربع محطّات ضخمة غير شرعيّة تمّ ضبطها وتفكيكها إثر هذه الفضيحة، وهي مجهّزة بأحدث التقنيّات وأنشئت في فقرا وعيون السيمان في جبال كسروان، والزعرور في المتن، وجرد الضنيّة في الشمال، كشفت عنها لجنة الإتّصالات النيابيّة بعد اجتماعها في 30 آذار/مارس، إلاّ أنّ مصادر أمنيّة مواكبة لهذا الملف أكّدت لموقعنا "أنّ التّحقيقات الجارية كشفت أن عدد المحطّات غير الشرعيّة كان أكثر بكثير، وبعضها يعود إلى عام 2009، إلاّ أنّ المتورّطين سارعوا إلى تفكيكها فور خروج الملف إلى العلن".

كلّ هذه القضيّة انطلقت عندما تقدّم تجمّع مقدّمي خدمات الإنترنت بشكوى إلى وزارة الإتّصالات في 25 كانون الثاني/يناير من عام 2016، ضدّ 12 شركة مرخّصة من وزارة الإتّصالات وتبيع الإنترنت غير الشرعيّ، حيث يستحوذ هذا القطاع غير الشرعيّ على 30 في المئة من سوق الإنترنت في لبنان، مما يرتّب خسارة ماليّة فادحة على الخزينة، تقدر بـ200 مليون دولار سنوياً وفق ما اعلنه وزير المال علي حسن خليل خلال اجتماع لجنة الاتصالات النيابية في مجلس النواب في 30 آذار 2016.

وأظهر التّحقيق التقنيّ الّذي أجرته هيئة "أوجيرو"، أنّ قيمة الخسائر الناتجة من قطاع الإنترنت غير الشرعيّ تبلغ 200 مليون دولار سنويّاً، وسط التحذير الذي كانت اطلقته لجنة الإتّصالات النيابيّة ممّا هو أخطر على لسان رئيسها النائب حسن فضل الله في المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده مع الوزير حرب في 8 آذار ، أيّ كشف أمن اللبنانيّين وتعريضهم للقرصنة والتجّسس، خصوصاً أنّ الفضيحة كشفت أنّ أكثر من مؤسّسة رسميّة وجهاز أمنيّ، أبرزها القصر الجمهوريّ ومجلس النوّاب ودوائر في الجيش اللبنانيّ، تستخدم شبكات الانترنت هذه من دون ان تدرك انها غير شرعية خصوصا ان الشركات التي تزودها بها هي مرخصة من وزارة الاتصالات.ويكمن الخطر الامني اذا كانت هذه الشبكات، التي تستخدمها ابرز المقرات الرسمية اللبنانية، تمر فعلا عبر اسرائيل ما يشكل خرقاً للسيادة وتجسساً على الدولة.

تساؤلات كبيرة طرحت خلال إجتماعات لجنة الإتّصالات ابرزه االذي عُقد في مجلس النواب في 21 آذار 2016 حول كيفيّة إدخال الشركات العاملة في الإنترنت غير الشرعيّ تجهيزات كبيرة لمحطّاتها عبر المعابر الشرعيّة أيّ مطار بيروت أو المرفأ، ومن دون أن ينجح جهاز الجمارك بضبطها، وهي تجهيزات لا تستورد عادة، إلاّ بعد أخذ إذن استيراد من وزارة الإتّصالات لإدخالها إلى لبنان، إضافة إلى تساؤلات حول كيفيّة قيام أشخاص أو جهات بتركيب معدّات لاستقبال الإنترنت من دون علم القوى الأمنيّة.

وكشفت المصادر الأمنيّة نفسها "أنّ صورة كيفيّة دخول المعدّات إلى لبنان بدأت تتوضّح، وقد تبيّن أن معظمها تمّ استيراده إلى سوريا، ثمّ تهريبه برّاً إلى لبنان، في وقت تمّ إدخال القسم الآخر عبر الجمارك بصفة أجهزة كمبيوتر، الّتي لا تحتاج إلى كشف وزارة الإتّصالات على عكس معدّات الإتّصال"، وذلك استناداً إلى المادّة 252 من المرسوم الإشتراعيّ 126 الصادر سنة 1959، والّتي تنصّ على أنّه "لا يسمح باستيراد الأجهزة اللاسلكيّة المرسلة أو المرسلة واللاّقطة معاً وأدواتها، إلاّ لمن كان مرخّصاً له بإقامة هذه الأجهزة واستعمالها، وعلى إدارة الجمارك إعلام المديريّة العامّة للبريد والبرق بالأجهزة المستوردة وأسماء مستوردها".

وفي وقت أكّدت المصادر أنّ "خلفيّة هذا الملف تجاريّة بامتياز"، شرحت "أنّ هناك نوعين من الشركات في مجال الإنترنت: شركات مزوِّدة بخدمة المعطيات وتُعرف بـDSP، وهي مزوِّدة للبوّابات الرئيسيّة الّتي يتمّ المرور عبرها إلى شبكة الإنترنت العالميّة، وشركات مزوِّدة بخدمة الإنترنت ISP، وهي الجهة الّتي تربط عملاءها – سواء الشركات أو الأفراد- بشبكة الإنترنت عن طريق مزوّدي خدمة المعطيات DSP المرخّص لهم من قبل هيئة "أوجيرو" المشغّلة للهاتف في لبنان. عدد شركات الـISP في لبنان كان 38، إلاّ أنّه منذ تسلّم الوزير بطرس حرب وزارة الإتّصالات في عام 2014، رفع عددها إلى 115، مشرّعاً وجود 67 شركة جديدة عبر إعطائها تراخيص".

ووفق المصادر، "تكمن المشكلة في سعي عدد من شركات ISP إلى استقدام الإنترنت عبر معابر غير شرعيّة من خلال شركات في قبرص وتركيا بأسعار أقلّ كلفة من تلك الّتي تتعامل معها. وبالتّالي، باتت هذه الشركات المرخّصة تعمل في آن معاً، عبر قنوات شرعيّة وأخرى غير شرعيّة". علما انه في لبنان، تبيع وزارة الاتصالات خط الـE1 الذي يعادل 2.1 ميغابيت بـ 250$ عبر هيئة "اوجيرو" التي ترعى هذا القطاع، بينما عمدت هذه الشركات الى شرائه من قبرص وتركيا بحوالى 30 $ وقامت ببيعه في الداخل اللبناني بسعر تراوح بين 100 و 150 $ لخط E1.

وهنا يكمن السؤال الأساسيّ، تتابع المصادر: "مَن هي الشركات التّي قدّمت إليها أسعاراً مخفّضة؟ وما مصلحتها في ذلك؟ وعلى هذا المستوى، يظهر البعد الأمنيّ لفضيحة الإنترنت، حيث تتوجّه أصابع الإتّهام إلى إسرائيل، الدولة العدوّة للبنان، والّتي لها مصلحة في هذا المجال، وهي تسعى دوماً إلى خرق لبنان أمنيّاً وتعزيز قدراتها التجسسيّة داخله، ولها سوابق في هذا المجال أبرزها عام 2009 عندما تمّ اكتشاف محطّة إرسال في "جبل الباروك"، أحد جبال سلسلة جبال لبنان الغربيّة، وتبيّن أنّها أكبر شبكة غير شرعيّة تزوّد اللبنانيّين بالإنترنت، وهي متّصلة بإسرائيل".

آخر فصول هذه الفضيحة ما تم كشفه حول الكابل البحري الذي ادعى عبد المنعم يوسف انه يمتد إنه مخصص لنقل الانترنت، بصورة غير شرعية، بين نهر الكلب ونهر إبراهيم في جلسة لجنة الاتصالات النيابية يوم 21 آذار 2016. الا ان وبعد الكشف عليه في 12 نيسان 2016 من قبل الجيش اللبناني، بحضور الوحدات التقنية المختصة في "اوجيرو".

الا ان وزارة الاتصالات أصدرت بيانا اثر ذلك اعلنت فيه ان هذا الكابل "هو كابل إتصالات من الألياف الضوئية، وبقدرة عالية، ويسمح بتمرير كل أنواع خدمات الإتصالات: نقل الصوت، نقل المعلومات، نقل الإنترنيت، ونقل الصورة، والتلفزيون"

عضو لجنة الاتصالات النيابية النائب زياد أسود رأى من جهته " ان ما يحصل ليس سليماً إذ ان الملف لم يتقدم كثيراً بعد متخوّفاً من عملية تشتيت قضائي وتمييع على أكثر من مستوى، بهدف التغطية على الفاعلين الحقيقيين الذي لم تُكشف هوياتهم بعد او ليس هناك رغبة بكشفهم". وشدد أسود على "بعد مالي يوازي البعد الأمني لا بل يتخطاه عبر الفساد واستباحة الدولة"، جازماً بأن "التخفيف عن الجريمة لا يكون في مجلس النواب بل في القضاء الذي لا يقوم بدوره كما يجب"، على حد قوله متوقعا ان "يتم الطمس الملف لان المتورطين كثر".

المحطات غير الشرعية تم تفكيكها، التحقيقات والمسار القانوني والقضائي ما زالت مستمرة. وبعدما فُتح هذا الملف على مصراعيه تبقى العبرة في المعالجة الجذريّة له وكشف كلّ عناصره بما يضمن محاكمة المتورّطين وعدم لفلفة القضيّة. فهل يصل الملف إلى خواتيمه أو يُطمر كسواه؟

وجد في : smuggling, lebanese telecommunications sector, lebanese domestic politics, internet, international trade, corruption, business

إسبرانس غانم هي مذيعة الأخبار الأساسية على قناة OTV اللبنانية . عملت سابقاً كمراسلة صحفية وتلفزيونية ومندوبة إلى القصر الجمهوري ووزارة الخارجية، إضافةً إلى عملها كمحرّرة القسم الخاص بالأمم المتحدة في صحيفة البلد اللبنانية

x