نبض لبنان

القذّافي الابن مخطوفاً ثمّ موقوفاً في بيروت: الأسباب شخصيّة أم ماليّة أم سياسيّة؟

p
بقلم
بإختصار
قضيّة خطف هنيبعل القذّافي، الابن الأصغر للزعيم الليبيّ الراحل معمّر القذّافي، من سوريا إلى لبنان، شغلت الأوساط السياسيّة والقضائيّة في بيروت، كما في عواصم عربيّة عدّة. فقد تفاعلت لبنانيّاً سلسلة اتّهامات وتوقيفات، كما أثيرت سلسلة اتّصالات عربيّة مع الحكومة اللبنانيّة، ممّا طرح السؤال عن الأسباب الفعليّة الكامنة خلف الخطف. هل هي شخصيّة لبنانيّة، أم ماليّة، أم سياسيّة ليبيّة.

شهد لبنان ليل 9 كانون الأوّل/ديسمبر 2015، عمليّة خطف غريبة، لا تزال فصولها تتوالى حتّى الآن، ولا تزال أسرارها وخلفيّاتها موضع تحليلات وتساؤلات.

ففي ذلك النهار، أعلن في بيروت أنّ مجموعة مسلّحة تمكّنت من استدراج النجل الأصغر للزعيم الليبيّ الراحل معمّر القذّافي، هنيبعل، من سوريا إلى الحدود مع لبنان، حيث تولّت اختطافه. بعد ساعات قليلة على العمليّة، نشر الخاطفون فيديو للمخطوف هنيبعل، وهو يوجّه رسالة تفيد بأنّ عمليّة خطفه مرتبطة بما يمكن أن يكون لديه من معلومات عن اختفاء رجل الدين الشيعيّ اللبنانيّ الإمام موسى الصدر في ليبيا في عهد والده، في أواخر آب/أغسطس 1978، ومعه اثنان من مساعديه، الشيخ محمّد يعقوب والصحافيّ عبّاس بدر الدين. لكن بعد يومين على بثّ الخبر والشريط، أعلن في بيروت أيضاً أنّ الخاطفين تواصلوا مع السلطات الأمنيّة اللبنانيّة، وتحديداً مع فرع المعلومات في قوى الأمن الداخليّ، واتّفقوا معه على تسليم المخطوف القذّافي، ليصبح في عهدة السلطات اللبنانيّة.

لكنّ ألغاز عمليّة الخطف لم تنته مع تلك الخطوة، بل بدأت تتزايد وتتفاعل، فالقذّافي الابن كان طفلاً صغيراً يوم اختفاء الصدر ومساعديه أيّام حكم والده. لكن على الرغم من ذلك، ادّعى عليه القضاء اللبنانيّ في 16 كانون الأوّل/ديسمبر، بجرم إخفاء معلومات في قضيّة الصدر، علماً أنّ هنيبعل كان طفلاً صغيراً عند حصول تلك الحادثة في عام 1978. وقبل جلاء أيّ معلومات حول هذا الموضوع، وبعد ساعات قليلة على الادّعاء عليه من قبل القضاء اللبنانيّ، تقدّمت الحكومة السوريّة بطلب رسميّ لاسترداده، بحجّة أنّ المسؤول الليبيّ السابق يملك حقّ اللجوء السياسيّ في سوريا. غير أنّ وزير العدل اللبنانيّ أشرف ريفي سارع إلى ردّ الطلب، بحجّة أنّ القذّافي الابن ليس مواطناً سوريّاً، ولا ملاحقاً من قبل السلطات القضائيّة السوريّة، ليحقّ لدمشق تقديم طلب باسترداده.

ولم يكد وزير العدل اللبنانيّ يتّخذ خطوته تلك، حتّى سجّلت مفاجأة أخرى في القضيّة، إذ أعلنت وكيلة الدفاع عن القذّافي الموقوف المحامية بشرى الخليل في اليوم نفسه في 16 كانون الأوّل/ديسمبر 2015، أنّ لديها معلومات تشير إلى الاشتباه بدور ما للوزير ريفي نفسه في قضيّة الخطف من سوريا إلى لبنان. كما صرّحت بأنّ معلوماتها باتت تحدّد هويّة الخاطفين بالاسم، وأنّها ستتقدّم بادّعاء قضائيّ ضدّهم.

ولم تمرّ ساعات قليلة على إعلان ذلك من قبل المحامية خليل، حتّى كانت مفاجأة أخرى في القضيّة، تمثّلت في الإعلان في 17 كانون الأوّل/ديسمبر، عن توقيف النائب السابق في البرلمان اللبنانيّ حسن يعقوب في القضيّة نفسها، وذلك على ذمّة التحقيق أيضاً، وعلى خلفيّة الاشتباه بدور له في عمليّة خطف القذّافي الابن. علماً أنّ عضو البرلمان السابق يعقوب هو نجل الشيخ محمّد يعقوب أحد مساعدي الإمام الصدر والذي اختفى معه. وهو ما يوحي بأنّ الدور المزعوم المنسوب إلى النائب السابق يعقوب في عمليّة الخطف، مرتبط بأن تكون الخطوة قد اتّخذت بدافع الثأر، أو بدافع الحصول على معلومات من القذّافي الابن، حول اختفاء الصدر ومساعديه يومها.

لكنّ اللافت أنّ هنيبعل القذّافي مولود في عام 1975، أيّ أنّه لم يكن إلّا في الثالثة من عمره يوم وقوع حادثة اختفاء الصدر في العاصمة الليبيّة، والتي شغلت لبنان طيلة الفترة الماضية، وشكّلت في شكل دائم عامل توتير للعلاقات بين بيروت وطرابلس الغرب في عهد القذّافي. غير أنّ مصدراً أمنيّاً لبنانيّاً أكّد لموقعنا أنّ القذّافي الابن يمكن أن يشكّل كنز معلومات في قضايا كثيرة سجّلت إبّان حكم والده، ومنها حتّى قضيّة الإمام الصدر. ويشير المصدر الذي طلب عدم كشف اسمه، إلى أنّ هنيبعل كان جزءاً من النظام الليبيّ السابق، وهو شغل بين العامين 2000 و2004 موقع مستشار اللجنة الأمنيّة المركزيّة في عهد والده، وهو المركز الذي يفترض أن يؤهّله إلى الاطّلاع على أسرار أمنيّة كثيرة في تلك الفترة من عمله الأمنيّ، كما في الفترات السابقة، ويمكن أن يسمح له بالاطّلاع على ملفّات سريّة وخطيرة، ممّا حفل به حكم القذّافي. وهو ما أكده لموقعنا أيضاً السيد علي يعقوب، شقيق النائب السابق الموقوف حسن يعقوب. والذي أضاف أن توقيف شقيقه لم يأت برأيه "وفق معطيات أمنية أو قضائية، بل نتيجة تدخلات سياسية محلية وخارجية".

غير أنّ المصدر الأمنيّ المتابع للقضيّة يضيف أنّ مسألة اختفاء الإمام الصدر والمعلومات حولها وحول مصير الرجل ورفيقيه، قد لا تكون الدافع الوحيد إلى عمليّة الخطف الغريبة التي نفّذت. فهناك احتمالات أخرى يدور البحث والتحقيق حولها، منها مثلاً، ما يحكى عن مصير أموال طائلة تمكّنت عائلة القذّافي من تهريبها وإخفائها في الفترة الأخيرة من نظام القذّافي. وهو ما قد يشكّل سبباً لأكثر من طرف للتفكير في الوصول إلى القذّافي الابن ومحاولة انتزاع معلومات منه حول مصير هذه الأموال المزعومة ومكانها.

احتمال ثالث يشير إليه المصدر الأمنيّ نفسه، وهو أن يكون للقذّافي الابن دور ما راهن أو مستقبليّ، في الصراع على السلطة الذي لا يزال دائراً في بلاده، إذ يلفت المصدر إلى هذه المصادفة في أن تتمّ عمليّة الخطف في الوقت الذي تشهد ليبيا عمليّة تفاوض بين بعض القوى التي نشأت بعد سقوط نظام القذّافي الأب، أدّت في 17 كانون الأوّل/ديسمبر الجاري إلى توقيع اتّفاق لتشكيل حكومة ليبيّة جديدة. ويتابع المصدر الأمنيّ المسؤول أنّ السلطات اللبنانيّة ليست معنيّة إطلاقاً بتلك العمليّة الليبيّة، لكنّ التزامن بينها وبين عمليّة الخطف المعقّدة، لا يمكن إلّا أن يترك لدى المعنيّين بالقضيّة تساؤلات حول إمكان الربط بين الحدثين. وما يزيد من عناصر هذا الاحتمال، مسارعة دمشق أوّلاً إلى طلب استرداد الرجل المخطوف–الموقوف، فضلاً عن اهتمام بلدين عربيّين آخرين بالقضيّة نفسها، إذ يكشف المصدر نفسه إلى موقعنا، عن أنّ لبنان تلقّى اتّصالات من مسؤولين حكوميّين في كلّ من مصر والمغرب، لمتابعة توقيف هنيبعل في بيروت بعد خطفه، علماً أنّ مصر هي جارة ليبيا ولها مصالح كثيرة، سياسيّة وأمنيّة في طرابلس الغرب، كما أنّ المغرب هو البلد الذي استضاف عمليّة توقيع الاتّفاق الليبيّ المذكور.

من جهتها، وكيلة الدفاع عن هنيبعل القذافي، المحامية بشرى الخليل قالت لموقعنا أن معطياتها تشير فعلاً إلى "اتصالات من عدد من البلدان العربية مع مسؤولين لبنانيين حول الملف". ولم "تستبعد أن يكون ذلك على خلفية البحث في حل للقضية، وذلك لحسابات تخص تلك الدول".

هكذا تصير القضيّة مفتوحة على ثلاثة مسارات للتحليل والتحقيق. بين الدافع اللبنانيّ المرتبط باختفاء الصدر، وبين لغز أموال القذّافي، وبين المستقبل السياسيّ لليبيا، مسارات قد تتّضح مع مصير القذّافي الموقوف في لبنان، وقد تظلّ لغزاً، في حال تمّت تسوية قضيّته وتسليمه إلى دولة ما، وهو ما قد يظهر في الأيّام المقبلة.

وجد في : musa al-sadr, moammar gadhafi, libyan revolution, kidnapping, hannibal gadhafi

جان عزيز كاتب مساهم في صفحة "نبض لبنان" على موقع المونيتور. وهو كاتب عمود في صحيفة الأخبار اللبنانية ومقدم برنامج حواري سياسي أسبوعي على محطة OTV التلفزيونية اللبنانية. وهو يدرّس أيضًا الإعلام في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا (AUT) وجامعة الروح القدس - الكسليك في لبنان.

x