نبض فلسطين

إقفال المحطّات الإذاعيّة في الخليل بسبب "ممارستها التحريض"

p
بقلم
بإختصار
أغلق الجيش الإسرائيليّ ثلاث محطّات إذاعيّة فلسطينيّة في الخليل حتّى الساعة في خطوة تقول الجهات المعنيّة إنّها ستؤدّي إلى تصاعد العنف في الأراضي الفلسطينيّة.

في تشرين الثاني/نوفمبر، صادر الجيش الإسرائيليّ معدّات بثّ وأغلق ثلات محطّات إذاعيّة فلسطينيّة في مدينة الخليل. وفيما تزامنت هذه الخطوة غير المسبوقة مع تصاعد الهجمات ضدّ إسرائيل في الخليل، يبيّن هذا الفعل ضدّ وسائل الإعلام الخاصّة تغييراً في السياسة الإسرائيليّة.

وحتّى تشرين الثاني/نوفمبر 2015، حمّلت إسرائيل الرئيس الفلسطينيّ محمود عباس والإذاعة والتفزيون الفلسطينيّين الرسميّين مسؤوليّة التحريض على العنف من دون تقديم أيّ أدلّة تثبت الاتّهامات بحقّ الإعلام الفلسطينيّ الرسميّ.

وبدأت الهجمات على المحطّات الفلسطينيّة التجاريّة الخاصّة في الساعات الأولى من 3 تشرين الثاني/نوفمبر. وروى رئيس إذاعة منبر الحرية، أيمن القواسمي، للمركز الفلسطينيّ للتنمية والحريات الإعلاميّة (مدى) تفاصيل ما جرى، قائلاً: "طوّقت ثلاث عشرة دوريّة إسرائيليّة مقرّ الإذاعة الذي يقع في مبنى حريزات بالقرب من دائرة السير في الخليل. وقرابة الساعة 1:50 فجر الثلاثاء في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، اقتحم عشرات جنود الاحتلال الإسرائيليّين المكتب وقاموا بتفتيشه وأوقفوا البثّ وصادروا معدّات بثّ وخرّبوا عدداً من المعدّات [كأجهزة كمبيوتر وميكروفونات وخلاطات بدلاً من مفروشات المكتب والديكور]".

وقال قواسمي لـ "مدى" إنّ موظّفين اثنين من الإذاعة كانا في مقرّ الإذاعة في ذلك الوقت، وهما الإعلاميّ محمود إقنيبي ومهندس الصوت محمد عبيدو. وقد استدعى الجيش الإسرائيليّ هذين الرجلين، بالإضافة إلى مالك الإذاعة، وسلّمهم أمراً بإغلاق الإذاعة لمدّة ستّة أشهر بتهمة "ممارسة التحريض".

وقال قواسمي لـ "المونيتور" إنّ ما حصل لإذاعته جريمة، شارحاً أنّ "المحتلّين الإسرائيليّين ارتكبوا جريمة ضدّ إذاعة منبر الحرية. وهم يحاولون القضاء على الأخبار الفلسطينيّة. هم مستاءون لأنّنا كشفنا الأكاذيب في رواياتهم، بما في ذلك أنّ صحافيّينا المواطنين وثّقوا أنّ إسرائيل تزرع خناجر بالقرب من القتلى الفلسطينيّين كي تبرّر قتلهم".

اتّهم الفلسطينيّون مراراً وتكراراً الجنود والمستوطنين الإسرائيليّين بزرع خناجر بعد قتل فلسطينيّين مشتبه فيهم بغية تبرير أفعالهم. وكتبت الصحافية الإسرائيليّة عميرة هاس عموداً حول هذا الموضوع في 16 تشرين الثاني/نوفمبر بعنوان "هل يزرع الجيش الإسرائيليّ خناجر على جثث الفلسطينيّين؟"

ونفى قواسمي نفياً قاطعاً اتّهامات التحريض الإسرائيليّة، قائلاً: "هذا تبرير عار من الصحة. المحتلّون هم المحرّضون الحقيقيّون. عندما نسمّي فلسطينياً شهيداً، يسمّون هم الأمر إرهاباً وتحريضاً". وبالإضافة إلى أنّ الاحتلال هو التحريض الأكبر، اعتبر قواسمي أنّه ينبغي الاستماع إلى ما تبثّه إذاعة "كريات أربع" التابعة للمستوطنين، قائلاً: "هم يدعون باستمرار إلى قتل العرب ويهاجمون نبيّنا".

وشكّك رئيس مجلس إدارة منبر الحرية أيضاً في ادّعاء التحريض، راوياً ما حصل في تشرين الثاني/نوفمبر. فسأل في مقابلة مع "المونيتور": "منذ أن أغلقوا إذاعتنا، تصاعدت أعمال العنف. لو كنّا إذاً مصدر التحريض، كيف يفسّرون ما حصل؟".

وقال قواسمي ممازحاً إنّ الإسرائيليّين حوّلوه إلى بطل محليّ في الأسابيع القليلة الماضية، مضيفاً: "نحن نتلقّى مبادرات تضامن جديّة من الفلسطينيّين والعرب والمجتمع الدوليّ. لقد أغلقوا "منبر الحرية"، لكنّهم فتحوا منصّات كثيرة. فأنا أحلّ ضيفاً على وسائل الإعلام المحليّة والفضائيّة يومياً لأتكلّم عمّا حصل معنا. لقد حوّلوني إلى بطل".

وبغية حلّ مشكلة إغلاق الإذاعة، اضطرّ قواسمي إلى إيجاد سبل لدفع رواتب موظّفيها البالغ عددهم 42 موظّفاً. وقال: "قدّمت إلينا إذاعة محليّة تدعى "وان أف أم" فسحة لبثّ بعض من برامجنا التي تحظى برعاية وإعلاناتنا، ما يسمح لنا باستعادة بعض من أرباحنا التي خسرناها".

وبالإضافة إلى إغلاق منبر الحريّة، نفّذت إسرائيل عملاً مشابهاً ضدّ إذاعة الخليل في 21 تشرين الثاني/نوفمبر وإذاعة "دريم" في 29 تشرين الثاني/نوفمبر. فقد نقل الإعلام عن رئيس قسم البرمجة في إذاعة الخليل، عز حدّاد، قوله إنّ الجنود الإسرائيليّين صادروا معدّات بثّ، ومنعوا الموظّفين من المجيء إلى مكاتب الإذاعة، وسلّموهم أمراً بالإغلاق لمدّة ستّة أشهر.

ووصف رئيس الإذاعة، أمجد شاور، هذا العمل الإسرائيليّ بـ "الإجراميّ والبربريّ". وأشار إلى أنّ الإذاعة تضمّ 30 صحافياً وموظفاً فنياً وإدارياً فلسطينياً.

وقال فؤاد جبارين، وهو عضو مؤسّس في إذاعة الظاهريّة التي تقع في جنوب الخليل، لـ "المونيتور": "يضطلع الإعلام بدور فاعل، وهو أمر لا يحبّذه المحتلّون. أكثر ما يثير استياءهم هو توظيف صحافيّين مواطنين، خصوصاً في منبر الحرية، ما سمح للجمهور بالحصول على معلومات في الوقت الحقيقيّ حول الوضع على الأرض".

وأقرّ جبارين بأنّ ما فعلته إسرائيل ضدّ المحطّات الثلاث أثار خوف المحطّات الأخرى كلّها. تملك 25 إذاعة خاصّة رخصة من الحكومة الفلسطينيّة للبثّ في الخليل. وأضاف جبارين: "يشعر مالكو الإذاعات وموظّفوها بالقلق، متخوّفين من أن يكونوا الهدف المقبل للهجمات الإسرائيليّة المستمرّة ضدّ الصحافة الفلسطينيّة".

ويندرج إغلاق الإذاعات الفلسطينيّة في إطار الروايات الإسرائيليّة التي تحاول أن تحمّل مجموعة صغيرة من المحرّضين مسؤوليّة أعمال العنف الحاليّة، بدلاً من الموافقة على ما يقوله الفلسطينيّون حول أنّ أعمال العنف هذه هي نتيجة الإحباط واليأس اللذين يشعر بهما شعب لا يرى أفقاً سياسياً. يشار إلى أنّ التطوّر المثير للاهتمام في الاعتداءات على الإذاعات الخاصّة هو أنّه يعكس اعترافاً بأنّ الاعتداءات السابقة ضدّ السلطة الفلسطينيّة والإعلام الفلسطينيّ الرسميّ كانت بلا أساس. لكنّ جبهة جديدة فُتحت الآن ضدّ الإذاعات التجاريّة الخاصّة في الخليل.

وجد في : violence, terrorist attacks, radio, palestinian-israeli conflict, media freedom, israeli occupation, incitement, hebron

داود كُتّاب كاتب مساهم في صفحة "نبض فلسطين" في موقع المونيتور. إنه صحافي فلسطيني وناشط إعلامي، و"بروفيسور فيريس" سابق في الصحافة في جامعة برينستون، وهو حاليًا المدير العام لشبكة الإعلام المجتمعي، وهي منظمة غير ربحية تسعى لدعم الإعلام المستقل في المنطقة العربية. كُتّاب ناشط في الدفاع عن حرية الإعلام في الشرق الأوسط، وهو كاتب أعمدة في صحف "جوردان تايمز" و"جيروزالم بوست" و"ديلي ستار" اللبنانية، وشارك في إنتاج عدد من الأفلام الوثائقية الحائزة على جوائز وبرامج الأطفال التلفزيونية. نال عدة جوائز دولية، بما فيها جائزة حرية الصحافة من لجنة حماية الصحافيين في نيويورك، وجائزة لايبزغ للشجاعة في الحرية، وجائزة السلام عبر الإعلام من مؤسسة نيكست البريطانية.

x