نبض مصر

هل تنجح القاهرة في إعادة ملف إتفاقيّة عنتيبي إلى مائدة المفاوضات؟

p
بقلم
بإختصار
القاهرة – في الرّابع من يونيو/حزيران المقبل يعقد "اجتماع المجلس الوزاريّ للنيل" في أروشا "تنزانيا"، الّذي يعوّل عليه المصريّون كفرصة أخيرة أمام القاهرة لإعادة فتح المفاوضات مع دول حوض النيل حول الخلافات على إتفاقيّةعنتيبي الجديدة قبل التصديق عليها وإدخالها حيّز التّنفيذ الفعليّ في شكل نهائيّ. الاتفاقية تنص على انشاء مفوضية للنيل تكون مهمتها ادارة الانتفاع بمياهه ودخولها حيز التنفيذ...

القاهرة – في الرّابع من يونيو/حزيران المقبل يعقد "اجتماع المجلس الوزاريّ للنيل" في أروشا "تنزانيا"، الّذي يعوّل عليه المصريّون كفرصة أخيرة أمام القاهرة لإعادة فتح المفاوضات مع دول حوض النيل حول الخلافات على إتفاقيّةعنتيبي الجديدة قبل التصديق عليها وإدخالها حيّز التّنفيذ الفعليّ في شكل نهائيّ.

الاتفاقية تنص على انشاء مفوضية للنيل تكون مهمتها ادارة الانتفاع بمياهه ودخولها حيز التنفيذ مرهون بتصديق 6 من برلمانات الدول الاعضاء في مبادرة حوض النيل . ويتوقع حضور جميع الدول الأعضاء في مبادرة حوض النيل " اثيوبيا واوغندا وكينيا وتنزانيا وروندا وبوروند والكونغو، الاضافة الى مصر والسودان ، وكذلك اريتريا كعضو مراقب بالمبادرة".

هناك بنود محل الخلاف بالاتفاقية تتعلق بتحديد الحقوق المائية لدولتي المصب مصر والسودان من مياه النيل، بينما البند الثاني يتعلق بآلية اتخاذ القرارات حيث تصر القاهرة على ان لا يكون بالأغلبية وانما بالاجماع ونظرا لأن دول المنبع أكثر عددا من دول المصب وبما يجعل التصويت على القرارات لصالح التكتل العددي على حساب دولتي المصب، بينما يتعلق البند الثالث محل الخلاف ببند الاخطار المسبق للمشروعات وحيث تصر القاهرة والخرطوم على ان يكون هناك الزام باخطارهم باية مشروعات قبل البدء فيها لضمان عدم الضرر.

وكانت وقّعت على إتفاقيّة "عنتيبي" 6 دول من أصل 11 في حوض نهر النيل في عام 2010، وهي: إثيوبيا وكينيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبوروندي، بينما رفضتها دولتا المصب مصر والسودان، نظراً لوجود نصّ يسمح بإعادة تقسيم حصص مياه النيل ولا يراعي إتفاقيّات العام 1959، الّتي تمنح القاهرة حصّة سنويّة مقدارها 55,5 مليار متر مكعّب، والسودان 18,5 مليار متر مكعّب. كما رفضت الكونغو التوقيع على الاتفاق.

وكان سد النهضة الذي تعمل على انشائه اثيوبيا لتوليد الطاقة الكهربائية على النيل الأزرق قد أثار مخاوف شديدة في مصر ونظرا لارتفاع حجم التخزين به الى 74 مليار متر مكعب من المياه وهو ما يهدد مصر بسنوات جفاف مائي محتملة خلال ملء خزان السد.

وإنّ إدارة الرّئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي تعوّل على ما حقّقته أخيراً من مكاسب مع إثيوبيا بتوقيع إتّفاق مشترك في ابريل 2015 لإدارة أزمة سدّ النهضة قد ينعكس إيجاباً في مجال حلّ خلافات بنود الإتفاقيّة. وفي هذا السّياق، قال وزير الموارد المائيّة والريّ الدّكتور حسام مغازي لـ"المونيتور": "أبدينا حسن النيّة من خلال إتفاق المبادئ مع إثيوبيا، والّذي برهن أنّ مصر ليست ضدّ أيّ تنمية في حوض النيل، إنّما هي فقط تحافظ على حقّ شعبها في مياه النيل".

ويأتي ذلك في وقت يتوقّع فيه 68 في المئة من المصريّين نجاح الحكومة المصريّة في إقناع دول الحوض بتعديل الإتفاقيّة، في مقابل 30 في المئة يستبعدون الأمر، وذلك وفقاً لاستطلاع رأي اجراه موقع اليوم السابع في فبراير/شباط الماضي.

وعن حضور اجتماع " أروشا"، رغم تجميد مصر لعضويّتها في مبادرة حوض النيل منذ عام 2010، قال مغازي: "إنّ الاجتماع هو لإعادة طرح وجهة نظر مصر، وأتوقّع أنّ العلاقات الطيّبة الّتي باتت موجودة حاليّاً يمكن أن تؤدّي إلى تحقيق نتائج أكثر إيجابيّة في حال فتح باب المناقشات حول عنتيبي".

وفي ما يتعلّق بما ستطرحه مصر خلال الإجتماع، قال: "سنؤكّد أنّ مصر حريصة على ألاّ تبتعد عن أيّ أطر تعاونيّة في حوض النيل، وإنّما لديها وجهة نظر محدّدة ومبرّرات لتخوّفها من الإتفاقيّة في شكلها الحاليّ، فسنعاود طرحها وسنستمع إلى بقيّة الآراء".

وتكثّف الديبلوماسيّة المصريّة حاليّاً جهودها الرّامية إلى تشكيل لوبي من داخل مبادرة حوض النيل لممارسة ضغوط على بقيّة الدول، الّتي لم تنضمّ إلى الإتفاقيّة لإعادة ملف الخلافات إلى مائدة التّفاوض. ولقد نجحت في كسب جنوب السودان حليفاً لها، وظهر ذلك في تبدّل موقف الدولة المنضمّة حديثاً إلى المبادرة. وبعدما تراجعت عن التّصديق على الإتفاقيّة، تعهّدت وزيرة الكهرباء والسدود والمياه في جنوب السودان جيما نونو في زيارتها الأخيرة للقاهرة سعي بلادها إلى التحرّك في اتّجاه إعادة مصر إلى مائدة المفاوضات لحلّ خلافات عنتيبي.

وتظهر دولة الكونغو أيضاً في الصورة كحليف للقاهرة بإرجائها التّوقيع على عنتيبي، وهناك بوروندي الّتي وقعت على الإتفاقيّة، بينما يعتبر موقفها بإرجاء عرض الإتفاقيّة على برلمانها للتّصديق معطّلاً لدخول الإتفاقيّة حيّذ التّنفيذ وبعدما صدّقت بقيّة الدول الخمس الموقّعة. ووفقاً لقواعد القانون الدوليّ، لا بدّ من تصديق ثلثي دول الحوض أيّ 6 دول على الإتفاقيّة للاعتداد بها دوليّاً.

ورغم كلّ هذه الجهود الديبلوماسيّة، الّتي تبذلها القاهرة استعداداً لإجتماع أروشا، إلاّ أنّ مصدراً مطّلعاً في اللّجنة المعنيّة بإدارة أزمة حوض النيل في وزارة الخارجيّة المصريّة، أكّد في تصريح خاص لـ"المونيتور" أنّ المسؤولين داخل اللّجنة المعنيّة بإدارة الملف منقسمون حول نتائج الإجتماع، بحيث أنّ الغالبيّة لا تعوّل كثيراً على نتائج إيجابيّة ينتظر أن تخرج عنه، ولأنّ الدولة المضيفة للإجتماع "تنزانيا" صدّقت بالفعل على الإتفاقيّة داخل البرلمان، وتساءل: "كيف ينتظر من دولة صدّق برلمانها على إتفاقيّة أن تتراجع عنها".

وكشف المصدر أنّه في إطار عمله طيلة سنوات مع الملف، يتوقّع أن تشترط دول منابع النيل على مصر خلال اجتماع "أروشا" التّوقيع على الإتفاقيّة في شكلها الحاليّ أوّلاً، ثمّ وضع نتائج المفاوضات حول البنود محلّ الخلاف في ملحق يضاف إلى وثيقة الإتفاقيّة، وقال: "هذا اقتراح تصرّ عليه تنزانيا".

وعن إتّفاق المبادئ الأخير بين الجانب المصريّ وإثيوبيا والسودان ودوره في أن ينعكس على سير المفاوضات في إتفاقيّة عنتبيبي، قال المصدر: "من مصلحة إثيوبيا أن تظهر للعالم أنّها تجلس لتتفاوض مع مصر وألاّ خلافات بينهما، حتّى تستمرّ في الحصول على دعم الجهات المانحة لها سواء أكان في استكمال مشروع بناء السدّ أم في مشاريع أخرى، بينما الواقع الفعليّ يؤكّد أنّها ما زالت تبحث عن مصالحها، والدليل أنّ إنشاءات السدّ قائمة رغم أنّ الدراسات الخاصّة بمدى ما سينتج منه من أضرار تمسّ مصر لم تنته بعد".

ومن جهته، اقترح وزير الموارد المائيّة والريّ الأسبق الدكتور محمّد نصر الدين علاّم في حديث لـ"المونيتور" ألاّ تهدر القاهرة مزيداً من الوقت في إقناع دول المنابع بالعودة إلى مائدة المفاوضات، بعدما صدّقت بالفعل 5 برلمانات من هذه الدول الموقّعة على الإتفاقيّة، وقال: "أرجّح التّعامل في شكل عمليّ من خلال إعداد صيغة لشكل التّعامل المصريّ مع المفوضيّة الجديدة، إذ تنصّ الإتفاقيّة على العمل لإعادة تنظيم مياه النهر وإدارة موارده، والنظر في تقسيم الحصص".

أضاف: "لا يوجد ما يهدّد القاهرة من دول منابع النيل الاستوائيّة، إذ أنّ استخداماتها المائيّة، اعتماداّ على النيل ليست كبيرة، بينما الخطر كلّه من إثيوبيا، فهي الّتي تبني سدّ النهضة، الّذي له آثار مدمّرة على مصر، وتستعدّ أيضاً لبناء سدود أخرى".

إنّ نجاح القاهرة في إعادة ملف إتفاقيّة عنتيبي إلى مائدة المفاوضات مع دول منابع النيل بات لا يمثّل فقط الفرصة الأخيرة لإنهاء أزمات الصراع على المياه بين دول النيل، بل هو بمثابة الاختبار الحقيقيّ لمدى جديّة ما توصّلت إليه أخيراً من خطوات باتّجاه حلّ خلافاتها مع إثيوبيا في شأن سدّ النهضة.

وجد في : sudan, renaissance dam, nile river, nile basin initiative, ethiopia, egypt, africa

ولاء حسين هي رئيسة تحرير قسم الأخبار البرلمانيّة في "روز اليوسف"، وهي خبيرة في الشؤون الإفريقيّة، وقد كان لها تعاون مع قناة النيل في إطار كتابة نشرات الأخبار وإعدادها.

x